نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق

مُساهمة من طرف مدير الموقع في الإثنين مارس 15, 2010 3:41 pm

الشيخ ناصر الدين الألباني


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي اصطفى نبينا على سائر البشر ، وعصمه من الشيطان أن يوحي إليه بشرِّ ،
فقال تعالى مخاطباً إبليس اللعين : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين

) [الحجر : 42] ، بل جعل تعالى له السلطة على شيطانه القرين ، فكيف من كان عنه من

المبعدين ؟ . كما أشار إلى ذلك قول رسوله الكريم : " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه

من الجن " قالوا : وإياك يا رسول الله ؟ قال : " وإياي ، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم ، فلا

يأمرني إلا بخير " [1]. وصلى الله على محمد الذي مكنه الله تعالى من إبليس حتى كاد أن

يخنقه ، وهَمّ أن يربطه بسارية من سواري مسجد المدينة [2] ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى

بهديه إلى يوم الدين .




<BLOCKQUOTE>

وبعد ؛ فقد كتب إلى بتاريخ 14 / 7 / 1952 م بعض الأستاذة من الإخوان الأعزة من
الباكستان حيث أُوفد إليها لغاية علمية ـ يسألني عن رأيي في حديث الغرانيق الذي اختلف فيه
قول حافظين كبيرين ، هما : ابن كثير الدمشقي ، وابن حجر المصري ، فقد أنكره الأول وقواه
الآخر . وطلب مني أن لا أضن بالجواب عليه ، فلبثت بعض الأشهر أترقب فرصة أستطيع
فيها إجابة طلبه . ثم لقيني أحد الأحبة عقب صلاة عيد الأضحى لهذه السنة ـ 1371 هـ ـ
فسألني أيضاً عن حديث الغرانيق ، فأجبته بأنه لا يصح ، بل هو باطل موضوع ، فذكر لي أن
أحد الشباب ممن في قلوبهم مرض احتج به على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ـ وحاشاه
ـ يتكلم بما يرضي المشركين جذباً لهم إليه ، لأنه بزعمه الباطل لم يكن نبياً صادقاً ، وإنما
كان يتظاهر بذلك تَرَؤُساً عليهم كما يهرف بذلك بعض الملاحدة قديماً وحديثاً ، فحملني ذلك
على أن اغتنم فرصة العيد المذكور ، فشرعت ـ متوكلاً على الله الغفور ـ في جمع طرق
تلك القصة من كتب التفسير والحديث ، وبينت عللها متناً وسنداً ، ثم ذكرت قول الحافظ ابن
حجر في تقويتها ، وتعقبته بما يبين وَهْيَ ما ذهب إليه ، ثم عقّبت على ذلك بذكر بعض
البحوث والنقول عن بعض الأئمة الفحول ذوي التحقيق في الفروع والأصول ، تؤيد ما ذهبنا
إليه من نكارة القصة وبطلانها ، ووجوب رفضها ، وعدم قبولها ، تصديقاً لقوله تعالى : (
لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً ) [الفتح : 9] ، فجاءت رسالة
فريدة في بابها ، قوية في موضوعها ، ترفع حيرة الأخ المؤمن ، وتطيح بشبهة الملحد الأرعن
، وقد سميتها :
" نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق " .
أسأل الله تعالى أن يجعلها خالصة لوجهه ، ويقبلها مني نصرة لنبيه ، ويدّخر لي ثوابها ليوم
أحْوَجُ ما نكون فيه إلى شفاعته ، ( يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم ) [
الشعراء : 88 ـ 89] إنه هو السميع العليم ، والبر الرحيم .
دمشق في : 2 ـ 1 ـ 1372 هـ
21 ـ 9 ـ 1952 م
محمد ناصر الدين الألباني
بين يدي الروايات

وقبل أن أشرع في سَوق روايات القصة ، أرى أنه لا بد من أن نذكر كلمة ، تتميماً لفائدة
الرسالة ، فأقول :
إن هذه القصة قد ذكرها المفسرون عند قوله تعالى : ( ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي
إلآ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله ءاياته والله عليم
حكيم ( 52 ) ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن
الظالمين لفي شقاق بعيد ( 53 ) وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت
له قلوبهم وإن الله لهاد الذين ءامنوا إلى صراط مستقيم ( 54 ) ) [الحج] .
وقد اختلفوا في تفسير قوله تعالى : ( تمنى ) و ( أمنيته ) ، وأحسن ما قيل في ذلك : إن (
تمنى ) من " الأمنية " وهي التلاوة ، كما قال الشاعر في عثمان رضي الله عنه حين قتل :
تمنى كتاب الله أول ليلة * * * وآخرها لاقى حِمام المقادر
وعليه جمهور المفسرين والمحققين ، وحكاه ابن كثير عن أكثر المفسرين ، بل عزاه ابن القيم
إلى السلف قاطبة فقال في " إغاثة اللهفان " [3] ( 1 / 93 ) :
" والسلف كلهم على أن المعنى إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته " وبيّنه القرطبي فقال في "
تفسيره " ( 12 / 83 ) :
وقد قال سليمان بن حرب : إن ( في ) بمعنى : عند ، أي ألقى الشيطان في قلوب الكفار عند
تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم كقوله عز وجل : ( ولبثت فينا ) ( الشعراء : 18 ) ، أي
عندنا ، وهذا هو معنى ما حكاه ابن عطية عن أبيه عن علماء الشرق ، وإليه أشار القاضي أبو
بكر بن العربي .
قلت : وكلام أبي بكر سيأتي في محله إن شاء الله تعالى ، وهذا الذي ذكرناه من المعنى في
تفسير الآية ، هو اختيار الإمام ابن جرير ، حيث قال بعد ما رواه عن جماعة من السلف ( 17
/ 121 ) : " وهذا القول أشبه بتأويل الكلام ، بدلالة قوله تعالى : ( فينسخ الله ما يلقي
الشيطان ثم يحكم الله ءاياته ) [الحج : 52] على ذلك ، لأن الآيات التي أخبر الله جل ثناؤه أنه
يحكمها لا شك أنها آيات تنزيله ، فمعلوم بذلك أن الذي ألقى فيه الشيطان ، هو ما أخبر تعالى
ذكره أنه نَسَخ ذلك منه وأبطله ثم أحكمه بنسخه ذلك ، فتأمل الكلام إذن : وما أرسلنا من قبلك
من رسول ولا نبي إلا إذا تلا كتاب الله وقرأ أو حدّث وتكلم ، ألقى الشيطان في كتاب الله الذي
تلاه وقرأه ، أو في حديثه الذي حدّث وتكلم ، فينسخ الله ما يلقي الشيطان بقوله تعالى :
فيُـذْهِب الله ما يلقي الشيطان من ذلك ، على لسان نبيه ويبطله .
هذا هو المعنى المراد من هذه الآية الكريمة ، وهي كما ترى ليس فيها إلا أن الشيطان يلقي
عند تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم ما يفتتن به الذين في قلوبهم مرض ، ولكن أعداء الدين
الذين قعدوا له في كل طريق ، وترصدوا له عند كل مرصد ، لا يرضيهم إلا أن يدسوا فيه ما
ليس منه ، ولم يقله رسوله ، فذكروا ما ستراه في الروايات الآتية ، مما لا يليق بمقام النبوة
والرسالة ، وذلك دَيْدَنهم منذ القديم ، كما فعلوا في غير ما آية وردت في غيره صلى الله عليه
وسلم من الأنبياء ، كداود ، وسليمان ، ويوسف عليهم الصلاة والسلام ، فرووا في تفسيرها من
الإسرائيليات ما لا يجوز نسبته إلى رجل مسلم فضلاً عن نبي مُـكَرَّم . كما هو مبين في محله
من كتب التفاسير والقصص .
فَحذارِ أيها المسلم أن تغتر بشيء منها فتكون من الهالكين ، و " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "
كما قال نبيك صلى الله عليه وسلم : ( وإن الله لهادِ الذين ءامنوا إلى صراط مستقيم ) [الحج :
54] .
روايات القصة وعِلَـلُها

بعد أن فرغنا من ذكر الفائدة التي وعدنا بها ، أعود إلى ذكر روايات القصة التي وقفنا عليها
لكي نسردها رواية رواية ، ونذكر عقب كل منها ما فيها من علة فأقول :
1 ـ عن سعيد بن جبير قال : " لما نزلت هذه الآية : ( أفرءيتم اللات والعزى ) ( النجم :
19 ) ، قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن
لترجى " فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال المشركون : إنه لم يذكر آلهتهم قبل اليوم
بخير ، فسجد المشركون معه ، فأنزل الله : ( ومآ أرسلنا من قبلك من رسول . . ) إلى قوله :
( عذاب يومٍ عقيمٍ ) ( الحج : 52 ـ 55 ) .
أخرجه ابن جرير ( 17 / 120 ) من طريقين عن شعبة عن أبي بشر عنه ، وهو صحيح
الإسناد إلى ابن جبير ، كما قال الحافظ على ما يأتي عنه ، وتبعه السيوطي في " الدر المنثور "
( 4 / 366 ) ، وعزاه لابن المنذر أيضاً وابن مردويه بعد ما ساقه نحوه بلفظ : " ألقى
الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى " الحديث ، وفيه :
" ثم جاءه جبريل بعد ذلك ، قال : اعرض علَّي ما جئتك به ، فلما بلغ : " تلك الغرانيق العلى
، وإن شفاعتهن لترجى " قال جبريل : لم آتك بهذا ، هذا من الشيطان ! فأنزل الله : ( ومآ
أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ) ( الحج : 52 ) . وهكذا أخرجه الواحدي في " أسباب
النزول " من طريق أخرى عن سعيد بن حسن ، كما سيأتي .
وقد روي موصولاً عن سعيد ، ولا يصح :
رواه البزار [4] في " مسنده " عن يوسف بن حماد عن أمية بن خالد ، عن شعبة ، عن أبي
بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ـ فيما أحسبه ، الشك في الحديث ـ أن النبي
صلى الله عليه وسلم قرأ بمكة سورة ( النجم ) حتى انتهى إلى قوله : ( أفرءيتم اللات والعزى
) ( النجم : 19 ) ، وذكر بقيته ، ثم قال البزار :
" لا نعلمه يروى متصلاً إلا بهذا الإسناد ، تفرد بوصله أمية ابن خالد وهو ثقة مشهور ، وإنما
يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح ، عن ابن عباس " كذا في " تفسير ابن كثير " ( 3
/ 129 ) .
وعزا الحافظ في " تخريج الكشاف " ( 4 / 144 ) هذه الرواية " للبزار ، والطبري ، وابن
مردويه " وعزوه للطبري سهو ، فإنها ليست في تفسيره فيما علمت ـ إلا إنْ كان يعني غير
التفسير من كتبه ، وما أظن يريد ذلك ، ويؤيدني أن السيوطي في " الدر " عزاها لجميع هؤلاء
إلا الطبري ، إلا أن السيوطي أوهم أيضاً حيث قال عطفاً على ما ذكر : والضياء في "
المختارة " بسند رجاله ثقات ، من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : إن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قرأ ، فذكر الحديث مثل الرواية المرسلة التي نقلناها آنفاً عن الدر نفسه ،
ومحل الإيهام هو قوله : " بسند رجاله ثقات " بالإضافة إلى أنه أخرجه الضياء في " المختارة "
فإن ذلك يوهم أنه ليس بمعلول ، وهذا خلاف الواقع ، فإنه معلول بتردد الراوي في وصله كما
نقلناه عن " تفسير ابن كثير " وكذلك هو في " تخريج الكشاف " وغيره ، وهذا ما لم يرد ذِكرُه
في سياق السيوطي ، ولا أدري أذلك اختصار منه ، أم من بعض مخرجي الحديث ؟ [5] وأياً
ما كان ، فما كان يليق بالسيوطي أن يغفل هذه العلة ، لا سيما وقد صرح بما يشعر أن الإسناد
صحيح ، وفيه من التغرير ما لا يخفى ، فإن الشك لا يوثق به ، ولا حقيقة فيه ، كما قال
القاضي عياض في " الشفاء " ( 2 / 118 ) وأقره الحافظ في " التخريج " لكنه قال عقب ذلك
:
" ورواه الطبري من طريق سعيد بن جبير مرسلاً ، وأخرجه ابن مردويه من طريق أبي
عاصم النبيل ، عن عثمان بن الأسود ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس نحوه ، ولم يشك
في وصله ، وهذا أصح طرق الحديث . قال البزار . . . " .
قلت : وقد نقلنا كلام البزار آنفاً ، ثم ذكر الحافظ المراسيل الآتية ، ثم قال :
" فهذه مراسيل يقوي بعضها بعضاً " .
قلت : وفي عبارة الحافظ شيء من التشويش ، ولا أدري أذلك منه ، أم من النساخ ؟ وهو
أغلب الظن ، وذلك لأن قوله : " وهذا أصح طرق هذا الحديث " إن حملناه على أقرب مذكور
، وهو طريق ابن مردويه الموصول كما هو المتبادر ، منعنا من ذلك أمور :
الأول : قول الحافظ عقب ذلك : " فهذه مراسيل يقوي بعضها بعضاً " ، فإن فيه إشارة إلى أن
ليس هناك إسناد صحيح موصول يعتمد عليه ، وإلا لَعرَّج عليه وجعله أصلاً , وجعل الطريق
المرسلة شاهدة ومُقَوية له ، ويؤيده الأمر الآتي وهو :
الثاني : وهو أن الحافظ لما رَدّ على القاضي عياض تضعيفه للحديث من طريق إسناد البزار
الموصول بسبب الشك ، قال الحافظ :
" أما ضعفه فلا ضعف فيه أصلاً ( قلت : يعني في رواته ) ، فإن الجميع ثقات ، وأما الشك
فيه ، فقد يجيء تأثيره ولو فرداً غريباً ـ كذا ـ لكن غايته أن يصير مرسلاً ، وهو حجة عند
عياض وغيره ممن يقبل مرسل الثقة ، وهو حجة إذا اعتضد عند من يَرُدّ المرسل ، وهو إنما
يعتضد بكثرة المتابعات " .
فقد سلَّم الحافظ بأن الحديث مُرْسَلٌ ، ولكن ذهب إلى تقويته بكثرة الطرق ، وسيأتي بيان ما فيه
في ردنا عليه قريباً إن شاء الله تعالى .
فلو كان إسناد ابن مردويه الموصول صحيحاً عند الحافظ ، لرد به على القاضي عياض ، ولما
جعل عمدته في الرد عليه هو كثرة الطرق ، وهذا بين لا يخفى .
الثالث : أن الحافظ في كتابه " فتح الباري " لم يُشِرْ أدنى إشارة هذه الطريق فلو كان هو أصح
طرق الحديث ، لذكره بصريح العبارة ، ولجعله عمدته في هذا الباب كما سبق .
الرابع : أن من جاء بعده ـ كالسيوطي وغيره ـ لم يذكروا هذه الرواية .
فكل هذه الأمور تمنعنا من حمل اسم الإشارة ( هذا ) على أقرب مذكور ، وتضطرنا إلى حمله
على البعيد ، وهو الطريق الذي قبل هذا ، وهو طريق سعيد بن جبير المرسل . وهو الذي
اعتمده الحافظ في " الفتح " وجعله أصلاً ، وجعل الروايات الأخرى شاهدة له ، وقد اقتدينا نحن
به ، فبدأنا أولاً بذكر رواية ابن جبير هذه ، وإن كنا خالفناه في كون هذه الطرق يقوي بعضها
بعضاً .
قلت : هذا مع العلم أن القدر المذكور من إسناد ابن مردويه الموصول رجاله ثقات رجال
الشيخين ، لكن لا بد أن تكون العلة فيمن دون أبي عاصم النبيل ، ويقوي ذلك ، أعني كون
إسناده مُعَلاًّ أنني رأيت هذه الرواية أخرجها الواحدي في " أسباب النزول " ( ص 233 ) من
طريق سهل العسكري قال : أخبرني يحيى ( قلت : هو القطان ) عن عثمان بن الأسود ، عن
سعيد بن جبير قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفرءيتم اللات والعزى ( 19 )
ومناة الثالثة الأخرى ( 20 ) ) ( النجم ) ، فألقى الشيطان على لسانه : " تلك الغرانيق العلى
وشفاعتهن ترتجى " ففرح بذلك المشركون ، وقالوا : قد ذكر آلهتنا ، فجاء جبريل عليه السلام
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : اعرض علّي كلام الله ، فلما عرض عليه ، قال :
أما هذا فلم آتك به ، هذا من الشيطان ، فأنزل الله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا
نبي ) الآية ( الحج : 52 ) .
فرجع الحديث إلى أنه ـ عن عثمان بن الأسود عن سعيد ـ مرسل ، وهو الصحيح ، لموافقته
رواية عثمان هذه رواية أبي بشر عن سعيد .
ثم وقفت على إسناد ابن مردويه ومتنه ، بواسطة الضياء المقدسي في " المختارة " ( 60 /
235 / 1 ) بسنده عنه قال : حدثني إبراهيم بن محمد : حدثني أبو بكر محمد بن علي المقري
البغدادي ، ثنا جعفر بن محمد الطيالسي ، ثنا إبراهيم بن محمد بن عَرْعَرة ، ثنا أبو عاصم
النبيل ، ثنا عثمان بن الأسود ، عن سعيد ابن جبير ، عن ابن عباس :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ( أفرءيتم اللات والعزى ( 19 ) ومناة الثالثة الأخرى (
20 ) ) ( النجم ) ، تلك الغرانيق العلى ، وشفاعتهن ترتجى " ، ففرج المشركون بذلك ، وقالوا
: قد ذكر آلهتنا فجاءه جبريل ، فقال : اقرأ علّي ما جئتك به ، قال : فقرأ ( أفرءيتم اللات
والعزى ( 19 ) ومناة الثالثة الأخرى ( 20 ) ) ( النجم ) ، تلك الغرانيق العلى ، وشفاعتهن
ترتجى ، فقال : ما أتيتك بهذا ، هذا عن الشيطان ، أو قال : هذا من الشيطان ، لم آتك بها !
فأنزل الله ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلآ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) إلى
آخر الآية " .
قلت : وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات وكلهم من رجال " التهذيب " إلا من دون ابن عرعرة ،
ليس فيهم من ينبغي النظر فيه غير أبي بكر محمد بن علي المقري البغدادي ، وقد أورده
الخطيب في " تاريخ بغداد " فقال ( 3 / 68 ـ 69 ) :
" محمد بن علي بن الحسن أبو بكر المقرىء ، حدث عن محمود ابن خداش ، ومحمد بن عمرو
، وابن أبي مذعور . روى عنه أحمد بن كامل القاضي ، ومحمد بن أحمد بن يحي العطشي "
ثم ساق له حديثاً واحداً وقع فيه مكناً بـ ( أبي حرب ) ، فلا أدري أهي كنية أخرى له ، أم
تحرفت على الناسخ أو الطابع ، ثم حكى الخطيب عن العطشي أنه قال : " توفي سنة ثلاثمائة
" ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ، فهو مجهول الحال ، وهو علة هذا الإسناد الموصول ،
وهو غير أبي بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم الأصبهاني المشهور بابن المقرىء ،
الحافظ الثقة ، فإنه متأخر عن هذا نحو قرن من الزمان ، وهو من شيوخ ابن مردويه مات سنة
( 381 ) إحدى وثمانين وثلاثمائة ، ووقع في " التذكرة " ( 3 / 172 ) " ومائتين " وهو خطأ
.
فثبت مما تقدم صواب ما كنا جزمنا به قبل الإطلاع على إسناد ابن مردويه " أن العلة فيه فيمن
دون أبي عاصم النبيل " ، وازددنا تأكداً من أن الصواب عن عثمان بن الأسود إنما هو عن
سعيد بن جبير مرسلاً كما رواه الواحدي ، خلافاً لرواية ابن مردويه عنه .
وبالجملة ، فالحديث مرسل ، ولا يصح عن سعيد بن جبير موصولاً بوجه من الوجوه .
2 ـ عن ابن شهاب : حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث " أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم وهو بمكة قرأ عليهم : ( والنجم إذا هوى ) ( النجم : 1 ) ، فلما بلغ ( أفرءيتم
اللات والعزى ( 19 ) ومناة الثالثة الأخرى ( 20 ) ) ( النجم ) ، قال : " إن شفاعتهن ترتجى
" سها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلقيه المشركون الذين في قلوبهم مرض فسلموا عليه
وفرحوا بذلك ، فقال لهم : إنما ذلك من الشيطان ، فأنزل الله : ( ومأ أرسلنا من قبلك من
رسول ولا نبي ) حتى بلغ ( فينسخ الله ما يلقي الشيطان ) ( الحج : 52 ) .
رواه ابن جرير ( 17 / 121 ) وإسناده إلى أبي بكر بن عبد الرحمن صحيح ، كما قال
السيوطي تبعاً للحافظ ، لكن علته أنه مرسل [6] وعزاه السيوطي لعبد بن حميد أيضاً ،
وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن فليح ، عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب قال :
فذكره مطولاً ، ولم يذكر في إسناده أبا بكر بن عبد الرحمن ، فهو مرسل ، بل معضل ، ولفظه
كما في " ابن كثير " و " الدر " :
" لما أنزلت سورة ( النجم ) ، وكان المشركون يقولون : لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير ،
أقررناه وأصحابه ، ولكن لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا
من الشتم والشر ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من
أذاهم وتكذيبهم ، وأحزنته ضلالتهم ، فكان يتمنى كفَّ أذاهم , ( وفي " ابن كثير " هدايتهم " ) ،
فلما أنزل الله سورة " والنجم " قال : ( أفرءيتم اللات والعزى ( 19 ) ومناة الثالثة الأخرى (
20 ) ) ( النجم ) ، ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الطواغيت ، فقال : " وإنهن لَهن
الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لَهِيَ التي تُرتَجى " فكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته ،
فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة ، ودلقت بها ألسنتهم ، وتباشروا بها ، وقالوا :
إن محمداً قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر (
النجم ) سجد وسجد كلُّ من حضر من مسلم ومشرك ، ففشت تلك الكلمة في الناس ، وأظهرها
الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ، فأنزل الله ( ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ) (
الحج : 52 ) ، فلما بيّـن الله قضاءه ، وبرّأه من سجع الشيطان ، انقلب المشركون بضلالتهم
وعدوانهم للمسلمين ، واشتدوا عليه " [7] .
وأخرجه البيهقي في " دلائل النبوة " عن موسى بن عقبة ساقه من " مغازيه " بنحوه لم يذكر
ابن شهاب كما في " الدر " ( 4 / 367 ) وغيره .
3 ـ عن أبي العالية قال : قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جلساؤك عبيد بني
فلان ، ومولى بني فلان ، فلو ذكرت آلهتنا بشيء جالسناك ، فإنه يأتيك أشرف العرب ، فإذا
رأوا جلساءك أشرف قومك كان أرغب لهم فيك ، قال : فألقى الشيطان في أمنيته ، فنزلت هذه
الآية : ( أفرءيتم اللات والعزى ( 19 ) ومناة الثالثة الأخرى ( 20 ) ) ( النجم ) ، قال :
فأجرى الشيطان على لسانه : " تلك الغرانيق العلى ، وشفاعتهن ترتجى ، مثلهن لا ينسى " قال
: فسجد النبي صلى الله عليه وسلم حبن قرأها وسجد معه المسلمون والمشركون ، فلما علم
الذي أجري على لسانه ، كبر ذلك عليه ، فأنزل الله : ( ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا
نبي) إلى قوله ( والله عليم حكيم ) ( 52 ) ( الحج ) .
أخرجه الطبري ( 17 / 120 ) من طريقين عن داود بن أبي هند عنه ، وإسناده صحيح إلى
أبي العالية ، لكن علته الإرسال ، وكذلك رواه ابن المنذر ، وابن أبي حاتم .
4 ـ عن محمد بن كعب القرظي ، ومحمد بن قيس قالا :
" جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناد من أندية قريش كثير أهله ، فتمنى يومئذ أن لا
يأتيه من الله شيء فينفروا عنه ، فأنزل الله عليه : ( والنجم إذا هوى ( 1 ) ما ضل صاحبكم
وما غوى ( 2 ) ) ( النجم ) فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغ : ( أفرءيتم
اللات والعزى ( 19 ) ومناة الثالثة الأخرى ( 20 ) ) ( النجم ) ، ألقى عليه الشيطان كلمتين :
" تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى " فتكلم بها ثم مضى ، فقرأ السورة كلها ، فسجد
في آخر السورة ، وسجد القوم جميعاً معه ، ورفع الوليد بن المغيرة تراباً إلى جبهته فسجد عليه
، وكان شيخاً كبيراً لا يقدر على السجود ، فرضوا بما تكلم به ، وقالوا : قد عرفنا أن الله يحيي
ويميت ، وهو الذي يخلق ويرزق ، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده ، إذا جعلتَ لها نصيباً فنحن
معك ، قالا : فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام فعرض عليه السورة ، فلما بلغ الكلمتين اللتين
ألقى الشيطان عليه قال : ما جئتك بهاتين ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : افتريت
على الله ، وقلت ما لم يقل ، فأوحى الله إليه : ( وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينآ إليك
لتفتري علينا غيره ) [8] إلى قوله : ( ثم لا تجد لك علينا نصيراً ( 75 ) ) ( الإسراء ) ، فما
زال مغموماً مهموماً حتى نزلت عليه : ( ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلآ إذا تمنى
. . . ) ( الحج : 52 ) ، قال : فسمع كل من المهاجرين بأرض الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا
كلهم ، فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا : هو أحب إلينا ، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله
ما ألقى الشيطان " .
أخرجه ابن جرير ( 17 / 119 ) عن طريق أبي معشر عنهما ، وأبو معشر ضعيف ، كما
قال الحافظ في " التقريب " واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي .
ثم أخرجه ابن جرير من طريق ابن إسحاق ، عن يزيد بن زياد المدني ، عن محمد بن كعب
القرظي وحده به أتمّ منه ، وفيه : " فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ، وسرهم وأعجبهم ما ذكر
به آلهتهم ، فأصاخوا له ، والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاء به عن ربهم ، ولا يتهمونه على
خطأ ولا وهم ولا زلل ، الحديث " .
ويزيد هذا ثقة ، لكن الراوي عنه ابن إسحاق مدلس ، وقد عنعنه .
5 ـ عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمنى أن لا يعيب الله آلهة المشركين ، فألقى
الشيطان في أمنيته فقال : " إن الآلهة التي تدعى ، إن شفاعتهن لترتجى ، وإنها لَلْغرانيق العلى
" فنسخ الله ذلك ، وأحكم الله آياته : ( أفرءيتم اللات والعزى ( 19 ) [9] حتى بلغ ( من
سلطان ) ( النجم ) ، قال قتادة : لما ألقى الشيطان ما ألقى ، قال المشركون : قد ذكر الله آلهتهم
بخير ، ففرحوا بذلك ، فذكر قوله : ( ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ) (
الحج : 53 ) .
أخرجه ابن جرير ( 17 / 122 ) من طريقين عن معمر عنه ، وهو صحيح إلى قتادة ، ولكنه
مرسل أو معضل . وقد رواه ابن أبي حاتم كما في " الدر " بلفظ أتم منه وهو : " قال : بينما
رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام ، نعس ، فألقى الشيطان على لسانة كلمة
فتكلم بها ، وتعلق بها المشركون عليه ، فقال : ( أفرءئتم اللات والعزى ( 19 ) ومناة الثالثة
الأخرى ( 20 ) ) ( النجم ) ، فألقى الشيطان على لسانه ولغى : " وإن شفاعتهن لترتجى وإنها
لمع الغرانيق العلى " فحفظها المشركون ، واخبرهم الشيطان أن نبي الله صلى الله عليه وسلم
قد قرأها ، فذلت بها ألسنتهم ، فأنزل الله : ( ومأ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ) الآية (
الحج : 52 ) ، فدحر الله الشيطان ولقن نبيه حجته " .
6 ـ عن عروة ـ يعني ابن الزبير ـ في تسمية الذين خرجوا إلى أرض الحبشة المرة الأولى
( قلت وفيه : ) " فقال المشركون : لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير ، أقررناه وأصحابه ،
فإنه لا يذكر أحداً ممن خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر به آلهتنا من الشتم
والشر ، فلما أنزل الله ( عز وجل ) السورة التي يذكر فيها : ( والنجم ) وقرأ : ( أفرءيتم
اللات والعزى ( 19 ) ومناة الثالثة الأخرى ( 20 ) ) ( النجم ) ، ألقى الشيطان فيها عند ذلك
ذكر الطواغيت فقال : " وإنهن لَمِنَ الغرانيق العُلى ، وإن شفاعتهم لتُرتجى " وذلك من سجع
الشيطان وفتنته ، فوقعت هاتان الكلماتان في قلب كل مشرك وذلت بها ألسنتهم ، واستبشروا
بها ، وقالوا : إن محمداً قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه ، فلما بلغ رسول الله صلى الله
عليه وسلم آخر السورة التي فيه ( النجم ) سجد وسجد معه كل من حضره من مسلم ومشرك ،
غير أن الوليد بن المغيرة ـ كان رجلاً كبيراً ـ ، فرفع مِلْءَ كفه تراباً فسجد عليه ، فعجب
الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأما
المسلمون فعجبوا من سجود المشركين من غير إيمان ولا يقين ، ولم يكن المسلمون سمعوا
الذي ألقى الشيطان على ألسنة المشركين ـ وأما المشركون فاطمأنت أنفسهم إلى النبي صلى
الله عليه وسلم ] وأصحابه لما سمعوا الذي ألقى الشيطان في أمنتة النبي صلى الله عليه وسلم [
وحدثهم الشيطان أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأها في ( السجدة ) ، فسجدوا لتعظيم
آلهتهم ، ففشت تلك الكلمة في الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت الحبشة . . فكَـبُـرَ ذلك
على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أمسى أتاه جبريل ] عليه السلام ، فشكا إليه ، فأمره
فقرأ عليه ، فلما بلغها تبرأ منها جبريل عليه السلام [ * وقال : معاذ الله من هاتين ، ما أنزلهما
ربي ، لا أمرني بهما ربك ! ! فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم شق عليه ، وقال
:
أطعتُ الشيطان ، وتكلمتُ بكلامه وشركني في أمر الله ، فنسخ الله ] عز وجل [ ما ألقى
الشيطان ، وأنزل عليه : ( ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ) إلى قوله : ( لفي شقاق
بعيد ( 53 ) ) ( الحج ) . فلما برأه الله عز وجل من سجع الشيطان وفتنته انقلب المشركون
بضلالهم وعداوتهم " .
رواه الطبراني هكذاً مرسلاً ، كما في " المجمع " ( 6 / 32 ـ 34 و 7 / 70 ـ 72 ) [10]
وقال :
" وفيه ابن لهيعة ، ولا يحتمل هذا من ابن لهيعة " .
7- عن صالح قال: "قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المشركون: إن ذكر آلهتنا بخير
ذكرنا إلهه بخير، فألقى في أمنيته: (أفرئيتم اللات و العزى * ومناة الثالثة الأخرى) [النجم]، "
إنهن لفي الغرانيق العلى و إن شفاعتهن لترتجى" قال: فأنزل الله (و ما أرسلنا من قبلك من
رسولٍ و لا نبيٍ ...) الآية [الحج:52].
أخرجه عبد حُميد كما في "الدر" (4/366 من طريق السدي عنه، و أخرجه ابن أبي حاتم
السدي لم يتجاوزه بلفظ:
"قال: خرج النبي صلى الله عليه و سلم إلى المسجد ليصلي فبينما هو يقرأ، إذ قال: (أفرئيتم
اللات و العزى * و مناة الثالثة الأخرى) [النجم]، فألقى الشيطان على لسانه فقال: "تلك
الغرانيق العلى، و إن شفاعتهن لترتجى" حتى إذا بلغ آخر السورة سجد و سجد أصحابه، و
سجد المشركون لذكر آلهتهم فلما رفع رأسه حملوه فاشتدوا به قطري مكة يقولون: نبي بني عبد
مناف، حتى إذا جاء جبريل عرض عليه فقرأ ذينك الحرفين، فقال جبريل: معاذ الله أن أكون
أقرأتك هذا! فاشتد عليه، فأنزل الله يطيب نفسه: ( و ما أرسلنا من قبلكَ...) الآية [الحج:52]
قلت: وقد رُوي موصولاً عن ابن عباس أخرجه ابن مرديه من طريق الكلبي، عن أبي صالح،
عن ابن عباس. و هذا إسناد ضعيف جداً، بل موضوع، فقد قال سفيان: " قال لي الكلبي: كل
ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب"، و الكلبي هذا اسمه محمد بن السائب، و قد كان مفسراً
نسّابة أخبارياً. وقال ابن حبان: كان الكلبي سبائياً من أؤلئك الذين يقولون: إن علياً لم يمت و
أنه راجع إلى الدنيا، و يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً، و إن رأوا سحابة قالوا: أمير المؤمنين
فيها". قال: و مذهبه في الدين، و وضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في
وصفه، و يروي عن أبي صالح عن ابن عباس التفسير، و أبو صالح لم ير ابن عباس و لا
سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، لا يحل ذكره في الكتب، فكيف الاحتجاج
به؟![11]
و روي من وجوه أخرى عن ابن عباس سيأتي ذكرها، لا يصح شيء منها.
8- عن الضحاك قال: في قوله (وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ و لا نبيٍ) الآيه [الحج:52]
فإن نبي الله صلى الله عليه و سلم و هو بمكه أنزل الله عليه في آلهة العرب، فجعل يتلو اللات
و العُزّى، و يُكثر من ترديدها، فسمع أهل مكه النبي صلى الله عليه و سلم يذكر آلهتهم،
ففرحوا بذلك، و دنوا يستمعون، فألقى الشيطان في تلاوة النبي صلى الله عليه و سلم: "تلك
الغرانيق العلى، و منها الشفاعة ترتجى" فقرأها النبي صلى الله عليه و سلم كذلك، فأنزل الله
عليه: (وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ و لا نبيٍ) إلى قوله: (و الله عليمٌ حكيمٌ*52*) [الحج].
أخرجه ابن جرير (17/121) قال: حدثت عن الحسين يقول: سمعت معاذاً يقول: أخبرنا عبيد
قال: سمعت معاذاً يقول: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول:
قلت: و هذا إسناد ضعيف منقطع مرسل، الضحاك هذا الظاهر أنه ابن مزاحم الهلالي
الخرساني، هو كثير الإرسال، كما قال الحافظ، حتى قيل: إنه لم يثبت له سماع من أحد من
الصحابه، و الراوي عنه عبيد لم أعرفه [12]، و ابو معاذ الظاهر أنه سليمان بن أرقم
البصري، و هو ضعيف، كما في "التقريب"، و الراوي عنه الحسين هو ابن الفرج أبو علي و
قيل: أبو صالح، و يعرف بابن الخياط و البغدادي، و هو ضعيف متروك، و له ترجمه في "
تاريخ بغداد" و "الميزان" و "اللسان" ثم شيخ ابن جرير فيه مجهول لم يُسَمَّ.
9- عن محمد بن فضالة الظفري، و المطلب بن عبدالله بن حنطب قالا: "رأى رسول الله
صلى الله عليه و سلم من قومه كفّاً عنه، فجلس خالياً، فتمنى فقال: ليته لا ينزل عليّ شيء
ينفّرهم عني، و قارب رسول الله صلى الله عليه و سلم قومه، و دنا منهم، و دنوا منه، فجلس
يوماً مجلساً في ناد من تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم (و النجم إذا هوى (1)) [النجم]،
حتى إذا بلغ: (أفرأيتم الاّت و العزى(19) و مناة الثالثة الأخرى(20)) [النجم]، ألقى الشيطان
كلمتين على لسانه: "تلك الغرانيق العلى، و إن شفاعتهن لترتجى"، فتكلم رسول الله صلى الله
عليه و سلم بهما ثم مضى، فقرأ السورة كلها، و سجد و سجد القوم جميعاً، و رفع الوليد بن
المغيرة تراباً إلى جبهته فسجد عليه، و كان شيخاً كبيراً لا يقدر على السجود، و يقال: إن أبا
أحيحة سعيد بن العاص أخذ تراباً فسجد عليه رفعه الى جبهته، و كان شيخاً كبيراً، فبعض
الناس يقول: إنما الذي رفع التراب الوليد، و بعضهم يقول: أبو أحيحة، و بعضهم يقول:
كلاهما جميعاً فعل ذلك. فرفضوا بما تكلم به رسول الله صلى الله عليه و سلم و قالوا قد عرفنا
أن الله يحيي و يميت، و يخلق و يرزق، و لكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، و أما إذ جعلت لها
نصيباً فنحن معك، فكبُر ذلك على رسول الله صلى الله عليه و سلم من قولهم، حتى جلس في
البيت، فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام، فعَرَض عليه السورة فقال جبريل: جئتك [13]
بهاتين الكلمتين؟!! فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: قُلـتُ على الله ما لم يقل، فأوحى الله
إليه: (و إن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره و إذاً لا تخذوك خليلاً (
73) و لولا أن ثبتناك لقد كِدت تركنُ إليهم شيئاً قليلاً (74) إذاً لأذقناك ضعفَ الحياة و ضعفَ
المماتِ ثمّ لا تجدُ لك علينا نصيراً (75)) [الإسراء].
أخرجه ابن سعيد في "الطبقات" (ج1 ق1 ص 137) [14]: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني
يونس بن محمد بن فضالة الظفري عن أبيه، قال: و حدثني كثير بن زيد عن المطلب بن
عبدالله بن حنطب قالا:
قلت: و هذا إسناد ضعيف جداً، لأن محمد بن عمر، هو الواقدي، قال الحافظ في "التقريب": "
متروك مع سعة علمه". و شيخه في الإسناد الأول يونس بن محمد، و والده محمد بن فضالة، لم
أجد لهما ترجمة، ثم رأيت ابن أبي حاتم أوردهما (4/1/55 و 4/2/246) و لم يذكر فيهما
جرحاً و لا تعديلاً. و في إسناده الثاني كثير بن زيد وهو الأسلمي المدني مُختَلف فيه، قال
الحافظ: "صدوق يخطيء".
ثم هو مرسل فإن المطلب بن عبدالله بن حنطب كثير التدليس و الإرسال، كما في "التقريب". و
لذلك قال القرطبي بعد أن ساق الرواية الثانية، و حُكي عن النحاس تضعيفها كما سبق نقله عنه
هناك قال: قلت: فذكره مختصراً ثم قال:
"قال النحّاس: هذا حديث مُنكَر منقطع، و لا سيما من حديث الواقدي".
10- عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قرأ سورة (النجم) و هو بمكة، فأتى
على هذه الآية (أفرأيتم اللات و العزى (19) و مناة الثالثة الأخرى (20)) [النجم] فألقى
الشيطان على لسانه "أنهن الغرانيق العلى" فأنزل الله: (و ما أرسلنا من قبلك ...) الآية [الحج:
52]، و كذا أورده السيوطي في "الدرر المنثور" (4/267) وقال:
"أخرجه ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، و من طريق أبي بكر
الهذلي و أيوب عن عكرمة عن ابن عباس، و من طريق سليمان التيمي عمن حدثه عن ابن
عباس".
قلت: فهذه طرق ثلاث عن ابن عباس و كلها ضعيفه.
أما الطريق الأولى: ففيها الكلبي و هو كذّاب كما تقدم بيانه قريباً.
و أما الطريق الثانية: ففيها من لم يسمّ.
و أما الطريق الثالثة: ففيها أبو بكر الهذلي. قال الحافظ في "التقريب": "أخباري متروك الحديث"
لكن قد قرن فيها أيوب، و الظاهر أنه السختياني، فلا بد أن يكون في الطريق إليه من لا يُحتَج
به لأن الحافظ قال في "الفتح" (8/355) بعد أن ساقه من الطرق الثلاث:
"و كلها ضعيف أو منقطع".
و قد ذكر ما يفيد أن ابن مردويه أخرجها من طريق عباد بن صهيب، و هو أحد المتروكين،
كما قال الحافظ الذهبي في ترجمته من "الميزان".
و له طريق رابع، أخرجه ابن جرير (17/120)، حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال:
ثني عمي. ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس، "أن نبي الله صلى الله عليه و سلم بينما هو
يُصلّي إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون، فقالوا: إنا نسمعه
يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه، فبينما هو يقول: (أفرأيتم اللات و العزى (19) و مناة الثالثة
الأخرى (20)) [النجم]، ألقى الشيطان: "إن تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى"، فجعل
يتلوها، فنزل جبريل صلى الله عليه و سلم فنسخها، ثم قال له: (و ما أرسلنا من قبلك ...)
الآية [الحج: 52].
رواه ابن مردويه أيضاً كما في "الدرر" (4/366).
قلت: و هذا إسناد ضعيف جداً، مُسَلسَل بالضعفاء: محمد ابن سعد، هو ابن محمد بن الحسن بن
عطية بن جُنادة أبو جعفر العوفي ترجمه الخطيب في "تاريخ بغداد" (5/322-323) و قال:
"كان ليّناً في الحديث".
و والده سعد بن محمد ترجمه الخطيب أيضاً (9/126- 127) و روى عن أحمد أنه قال فيه:
"لم يكن ممن يستأهل أن يكتب عنه، و لا كان موضعاً لذلك".
و عمه هو الحسين بن الحسن بن عطية بن سعد، و هو متفق على ضَعفه ترجمه الخطيب (8
/29- 32)و غيره.
و أبوه الحسن بن عطية ضعيف أيضاً اتفاقاً، و قد أورده ابن حبان في "الضعفاء" و قال: "مُنكَر
الحديث، فلا أدري البَلِيّة منه أو من ابنه، أو منها معاً؟" ترجمته في "تهذيب التهذيب".
و كذا والده عطية، و هو مشهور بالضَّعف [15]
بيان بطلان القصة متناً

تلك هي روايات القصة، و هي كلها كما رأيت مُعَلَّة بالإرسال و الضّعف و الجَهالة، فليس فيها
ما يصلُح للإحتجاج به، لا سيّما في مثل هذا الأمر الخطير. ثم إن مما يؤكد ضَعفها بل
بطلانها، ما فيها من الاختلاف و النّّكارة مما لا يليق بمقام النبوة و الرسالة، و إليك البيان:
أولاً: في الروايات كلها، أو جُلها، أن الشيطان تكلم على لسان النبي صلى الله عليه و سلم بتلك
الجملة الباطلة التي تمدح أصنام المشركين، "تلك الغرانيق العلى، و إن شفاعتهن لترتجى".
ثانياً: و في بعضها كالرواية الرابعة: "و المؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاء به عن ربهم و لا
يتهمونه على خطأ و هم" ففي هذا أن المؤمنين سمعوا ذلك منه صلى الله عليه و سلم، و لم
يشعروا بأنه من إلقاء الشيطان، بل اعتقدوا أنه من وحي الرحمن!! بينما تقول الرواية
السادسة: "و لم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان" فهذه خلاف تلك.
ثالثاً: و في بعضها كالرواية (1و 4 و 7 و 9): أن النبي صلى الله عليه وسلم بقي مدة لا
يدري أن ذلك من الشيطان، حتى قال له جبريل: "معاذ الله! لم آتك بهذا، هذا من الشيطان!!".
رابعاً: و في الرواية الثانية أنه صلى الله عليه و سلم سها حتى قال ذلك! فلو كان كذلك، أفلا
ينتبه من سهوه؟!
خامساً: في الرواية العاشرة الطريق الرابع: أن ذلك ألقيَ عليه و هو يصلي!!
سادساً: و في الرواية (4 و 5 و 9 ) أنه صلى الله عليه و سلم تمنّّى أن لا ينزل عليه شيء
من الوحي يَعيبُ آلهة المشركين، لئلا ينفروا عنه!! و انظر المقام الرابع من كلام ابن العربي
الآتي (ص50)
سابعاً: و في الرواية (4 و 6 و 9) أنه صلى الله عليه و سلم قال عندما أنكر جبريل ذلك عليه
"أفتريتُ على الله، و قلتُ على الله ما لم يقل، و شركني الشيطان في أمر الله!!".
فهذه طامّات يجب تنزيه الرسول منها لا سيّما هذا الأخير منها فإنه لو كان صحيحاً لصدق فيه،
عليه السلام، - وحاشاه- قوله تعالى: "و لو تقول علينا بعض الأقاويل (44) لأخذنا منه باليمين
(45) ثم لقطعنا من الوتين (46)) [الحاقة]
فثبت مما تقدم بطلان هذه القصة سنداً و متناً. و الحمد لله على توفيقه و هدايته.
كلام الحافظ و الرد عليه

وقد يقال: إن ما ذهبت إليه من تضعيف القصة سنداً، و إبطالها متناً، يخالف ما ذهب إليه
الحافظ ابن حجر من تقويتها كما سبق الإشارة إليه آنفاً.
فالجواب: أنه لا ضَير علينا منه، و لئن كنا خالفناه، فقد وافقنا جماعة من أئمة الحديث و العلم
سيأتي ذكرهم، فاتباعهم أولى، لأن النقد العلمي معهم، لا لأنهم كثرة، و رحم الله من قال: "الحق
لا يعرف بالرجال إعرف الحق تعرف الرجال".
و لبيان ذلك لا بد لي من أن أنقل كلام الحافظ بتمامه، ثم أتبعه ببيان رأينا فيه، و الصواب
الذي نرمي إليه فأقول: قال الحافظ في "الفتح" (8/354-355) بعد أن ساق الرواية الأولى و
خرّجها هي و غيرها مما تقدم:
"و كلها سوى طريق سعيد بن جبير، إما ضعيف و إما منقطع، ولكن لكثرة الطرق تدل على أن
للقصة أصلاً، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط "الصحيحين" (ثم ذكر
الرواية الثانية و الثالثة ثم قال: ) و قد تجرأ أبو بكر بن العربي كعادته فقال: ذكر الطبري في
ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها، و هو إطلاق مردود عليه، و كذا قول عياض: هذا

حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، و لا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته،
وكلها سوى طريق سعيد بن جبير، إما ضعيف و إما منقطع، ولكن لكثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلاً














</BLOCKQUOTE>
avatar
مدير الموقع
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات : 428
مشاركات : 1
تاريخ التسجيل : 27/12/2009

http://elidy.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق

مُساهمة من طرف مدير الموقع في الإثنين مارس 15, 2010 3:42 pm

بقية نصب المجانيق انسف قصة الغرانيق

و كلها سوى طريق سعيد بن جبير، إما ضعيف و إما منقطع، ولكن لكثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلاً، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط "الصحيحين" (ثم ذكر الرواية الثانية و الثالثة ثم قال: ) و قد تجرأ أبو بكر بن العربي كعادته فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها، و هو إطلاق مردود عليه، و كذا قول عياض: هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، و لا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته، و اضطراب رواياته، و انقطاع إسناده، و كذا قوله: و من حملت عنه هذه القصة من التابعين و المفسرين، لم يسندها أحد منهم، ثم ردّه من طريق النظر بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم، قال: و لم ينقل ذلك انتهى. و جميع ذلك لا يتمشى مع القواعد، فإن الطرق إذا كثرت و تباينت مخارجها، دلّ ذلك على أن لها أصلاً، و قد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح و هي مراسيل يحتج بها من يحتج بالمرسل، و كذا من لا يحتج به لا اعتضاد بعضها ببعض".

قاعدة تقوية الحديث بكثرة الطرق ليست على إطلاقها:
و الجواب عن ذلك من وجوه:
أولاً: أن القاعدة التى أشار إليها، و هي تقوية الحديث بكثرة الطرق ليست على إطلاقها، و قد نبّه على ذلك غير واحد من علماء الحديث المحققين، منهم الحافظ أبو عمر بن الصلاح حيث قال رحمه الله في "مقدمة علوم الحديث" (ص36- 37):
"لعل الباحث الفهم يقول: إنا نجد أحاديث محكوماً بضعفها، مع كونها قد رُويَت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة، مثل حديث: "الأذنان من الرأس" [16] و نحوه، فهلاّ جعلتم ذلك و أمثاله من نوع الحسن لأن بعض ذلك عضد بعضاً كما قلتم في نوع الحسن على ما سبق آنفاً؟!
و جواب ذلك أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت فمنه ما يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئاً من ضعف حفظ روايه، و لم يختلّ فيه ضبطه له، و كذلك إذا كان ضَعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر [17] و من ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف، و تقاعد هذا الجابر عن جبره و مقاومته، و ذلك كالضعيف الذي ينشأ من كون الراوي متهماً بالكذب، أو كون الحديث شاذّاً. و هذه جملة تفاصيلها تُدرَك بالمباشرة و البحث، فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة"
قلت: و لقد صدق رحمه الله تعالى، فإن الغَفَلَةَ عن هذه النفيسة قد أوقعت كثيراً من العلماء، لا سيّما المشتغلين منهم بالفقه في خطأ فاضح، ألا وهو تصحيح كثير من الأحاديث الضعيفة اغتراراً بكَثرة طُرقها، و ذهولاً منهم عن كون ضعفها من النوع الذي لا ينجبر الحديث بضعفها، بل لا تزيده إلا وَهناً على وهن، و من هذا القبيل حديث ابن عباس في هذه القصة، فإن طرقه كلها ضعيفة جداً كما تقدم، فلا يتقوى بها أصلاً.
لكن يبقى النظر في طرق الحديث الأخرى، هل يَتَقَوّى الحديث بها، أم لا؟
فاعلم أنها كلها مرسلة، و هي على إرسالها معلة بالضعف و الجهالة كما سبق تفصيلها، سوى الطرق الأربعة الألى منها (رقم 1 و 2 و 3 و 5) فهي التي تستحق النظر، لأن الحافظ رحمه الله جعلها عمدته في تصحيحه هذه القصة، و تقويته لها بها، و هذا مما نخالفه فيه، و لا نوافقه عليه، و بيان ذلك يحتاج إلى مقدمة وجيزه مفيدة إن شاء الله تعالى، و هي:
ضعف الحديث المرسل:
الوجه الثاني: و هو يحتوي على تحقيق أمرين أساسيين:
الأول: أن الحديث المُرسَل، ولو كان المُرسِل ثقة، لا يُحتج به عند أئمة الحديث، كما بيّنه ابن الصلاح في "علوم الحديث" و جزم هو به فقال (ص58):
"ثم اعلم أن حكم المُرسَل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر كما سبق بيانه ... و ما ذكرناه من سقوط الإحتجاج بالمرسل و الحكم بضَعفه، هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير حفّاظ الحديث، و نقاد الأثر، و قد تداولوه في تصانيفهم".
الأمر الثاني: معرفة سبب عدم احتجاج المحدثيين بالمُرسَل من الحديث، فاعلم أن سبب ذلك إنما هو جَهالة الوساطة التي روى عنها المُرسِل الحديث، و قد بيّن ذلك الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" حيث قال (ص 287) بعد أن حكى الخلاف بالعمل المرسل:
"و الذي نختاره سقوط فرض العمل بالمراسيل، و أن المرسل غير مقبول، و الذي يدل على ذلك أن إرسال الحديث يؤدي إلى الجهل بعين راويه، و يستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه، وقد بيّنا من قبل أنه لا يجوز قبول الخبر إلا ممن عرفت عدالته، فوجب كذلك كونه غير مقبول، و أيضاً فإن العدل لو سئل عمن أرسل عنه؟ فلم يُعدّله، لم يجب العمل بخبره، إذا لم يكن معروف العدالة من جهة غيره، و كذلك حاله إذا ابتدأ الإمساك عن ذكره و تعديله، لأنه من الإمساك عن ذكره غير مُعدّل له، فوجب أن لا يقبل الخبر عنه".
و قال الحافظ ابن حجر في "شرح نخبة الأفكار" (ص17) بعد أن ذكر الحديث المرسل في "أنواع الحديث المردود":
" و إنما ذكر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف، لأنه يحتمل أن يكون صحابياً، و يحتمل أن يكون تابعياً، و على الثاني يحتمل أن يكون ضعيفاً، و يحتمل أن يكون ثقة، و على الثاني يحتمل أن يكون حُمل عن صحابي، و يحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر و على الثاني فيعود الإحتمال السابق و يتعدد، أما بالتجويز العقلي، فإلى مالا نهاية، و أما بالإستقراء، فإلى ستة أو سبعة، و هو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض، فإن عرف من عادة التابعي أنه لا يرسل إلا عن ثقة، فذهب جمهور المحدثين إلى التوقف، لبقاء الإحتمال، وهو أحد قولي أحمد، و ثانيهما: يقبل مطلقاً، و قال الشافعي رضي الله عنه: يُقبل إن اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى مسنداً كان أو مرسلاً ليترجّح احتمال كون المحذوف ثقة في نفس الأمر"
قلت: فإذا عرف أن الحديث المُرسَل لا يقبل، و أن السبب هو الجهل بحال المحذوف فيرد عليه أن القول بأنه يقوى بمرسل آخر غير قوي لإحتمال أن يكون كل من أرسله إنما أخذه عن راوٍ واحد، و حينئذ ترد الاحتمالات الذي ذكرها الحافظ، و كأن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قد لاحظ ورود هذا الاحتمال و قوته، فاشترط في المرسل الآخر أن يكون مُرسِله أخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول، كما حكاه ابن الصلاح (ص35) و كأن ذلك لَيغلب على الظن أن المحذوف في أحد المرسَلين هو غيره في المرسَل الآخر.
و هذه فائدة دقيقة لم أجدها في غير كلام الشافعي رحمه الله فاحفظها و راعِها فيما يمر بك من المرسَلات التي تذهب البعض إلى تقويتها لمجرد مجيئها من وجهين مرسَلين دون أن يراعوا هذا الشرط المهم.
ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قد نصّ أيضاً على هذا الشرط في كلام له مفيد في أصول التفسير، نقله عنه الحافظ محمد بن عبد الهادي في كتاب له مخطوط في الأحاديث الضعيفة و الموضوعة (حديث 405/221)، فقال ابن تيمية رحمة الله تعالى:

"و أما أسباب النزول، فغالبها مرسل، ليس بمسند، لهذا قال الإمام أحمد: ثلاث علوم لا إسناد لها . وفي لفظ : ليس لها

أصل : التفسير والمغازي والملاحم . يعني أن أحاديثها مرسلة ليست مسندة
والمراسيل قد تنازع الناس في قبولها وردها . وأصح الأقوال : أن منها المقبول ومنها المردود ومنها الموقوف فمن علم من حاله أنه لا يرسل إلا عن ثقة قبل مرسله ومن عرف أنه يرسل عن الثقة وغير الثقة كان إرساله رواية عمن لا يعرف حاله فهو موقوف . وما كان من المراسيل مخالفا لما رواه الثقات كان مردودا وإن جاء المرسل من وجهين كل من الروايين أخذ العلم عن غير شيوخ الآخر فهذا يدل على صدقه فإن مثل ذلك لا يتصور في العادة تماثل الخطأ فيه وتعمد الكذب . . . "
قلت : ومع أن التحقق من وجود هذا الشرط في كل مرسل من هذا النوع ليس بالأمر الهين فإنه لوتحققنا من وجوده فقد يرد إشكال آخر وهو أنه يحتمل أن يكون كل من الواسطتين أو أكثر ضعيفا وعليه يحتمل أن يكون ضعفهم من النوع الأول الذي ينجبر بمثله الحديث على ما سبق نقله عن ابن الصلاح ويحتمل أن يكون من النوع الآخر الذي لا يقوى الحديث بكثرة طرقه ومع ورود هذه الاحتمالات يسقط الاستدلال بالحديث المرسل وإن تعددت طرقه . وهذا التحقيق مما لم أجد من سبقني إليه فإن أصبت فمن الله تعالى وله الشكر وإن أخطأت فمن نفسي وأستغفر الله من ذنبي

وبالجملة فالمانع من الاستدلال بالحديث المرسل الذي تعدد مرسلوه أحد الاحتمالين : الأول : أن يكون مصدر المرسلين واحدا
الثاني : أن يكونوا جمعا ولكنهم جميعا ضعفاء ضعفا شديدا . وبعد هذه المقدمة نستطيع أن نقول :
إننا لو ألقينا النظر على روايات هذه القصة لألفيناها كلها مرسلة حاشا حديث ابن عباس ولكن طرقه كلها واهية شديدة الضعف لا تنجبر بها تلك المراسيل فيبقى النظر في هذه المراسيل وهي كما علمت سبعة صح إسناد أربعة منها وهي مرسل سعيد بن جبير وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبي العالية ( رقم 1 - 3 ) ومرسل قتادة رقم ( 5 ) وهي مراسيل يرد عليها أحد الاحتمالين السابقين لأنهم من طبقة واحدة : فوفاة سعيد بن جبير سنة ( 95 ) وأبي بكر بن عبد الرحمن سنة ( 94 ) وأبي العالية - واسمه رفيع مصغرا - سنة ( 90 ) وقتادة سنة بضع عشرة ومائة والأول كوفي والثاني مدني والأخيران بصريان
فجائز أن يكون مصدرهم الذي أخذوا منه هذه القصة ورووها عنه واحدا لا غير وهومجهول


وجائز أن يكون جمعا ولكنهم ضعفاء جميعا فمع هذه الاحتمالات لا يمكن أن تطمئن النفس لقبول حديثهم هذا لا سيما في مثل هذا الحدث العظيم الذي يمس المقام الكريم فلا جرم تتابع العلماء على إنكارها بل التنديد ببطلانها ولا وجه لذلك من جهة الرواية إلا ما ذكرنا وإن كنت لم أقف على من صرح بذلك كما ذكرت آنفا . قال الفخر الرازي في " تفسيره " ( 6 / 193 ) :
روى عن محمد بن إسحاق بن خزيمة ( 1 ) أنه سئل عن هذه القصة ؟ فقال :
هذا من وضع الزنادقة " وصنف فيه كتابا . وقال الإمام أبوبكر أحمد بن الحسين البيهقي : " هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل " ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعون فيهم وأيضا : فقد روى البخاري في " صحيحه " أن
النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة ( النجم ) وسجد وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق وروى هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق
وقد تبع هؤلاء جماعة من الأئمة العلماء وهاك أسماءهم على ترتيب وفياتهم :

1 - أبو بكر محمد بن عبدالله بن محمد المعروف بابن العربي توفي سنة ( 542 ) في تفسيره " أحكام القرآن "
2 - القاضي عياض بن موسى بن عياض ( 544 ) في كتابه " الشفا في حقوق المصطفى "
3 - فخر الدين محمد بن عمر بن الحسن الرازي ( 606 ) في تفسيره " مفاتيح الغيب " ( 6 / 193 - 197 ) وقد مضى بعض كلامه في ذلك
4 - محمد بن أحمد الأنصاري أبوعبدالله القرطبي في " أحكام القرآن " ( 12 / 80 - 84 )
5 - محمد بن يوسف بن علي الكرماني من شراح " البخاري " ( 786 ) وقد نقل كلامه في ذلك الحافظ في " الفتح " ( 8 / 498 )
6 - محمود بن أحمد بدر الدين العيني ( 855 ) في " عمدة القاري " ( 9 / 47 )
7 - محمد بن علي بن محمد اليمني الشوكاني ( 1250 ) في " فتح القدير " ( 3 / 247 - 248 )
8 - السيد محمود أبوالفضل شهاب الدين الآلوسي ( 1270 ) في " روح المعاني " ( 17 / 160 - 169 )
9 - صديق حسن خان أبوالطيب ( 1307 ) في تفسيره " فتح البيان "
10 - محمد عبده المصري الأستاذ الإمام ( 1323 ) في رسالة خاصة له في هذه القصة
وإذا عرفت هذا فلا بأس من ذكر كلمات بعض هؤلاء العلماء لما فيها من الفوائد والتحقيقات التي تزيد القارئ إيمانا ببطلان القصة وتجعله يتبين أن النقد العلمي الرجيح يتفق دائما مع النقد الحديثي الصحيح لأن كلا منهما يقوم على قواعد علمية دقيقة لا تقبل التغيير والتبديل وأنا أكتفي هنا بكلمات أربعة منهم . ومن شاء الزيادة فليرجع إلى المصادر الأخرى التي أشرنا إليها والأربعة هم : 1 - ابن العربي 2 - القاضي عياض 3 - الشوكاني 4 - الآلوسي

1 - كلام أبي بكر بن العربي في إبطال القصة :
قال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر سبب نزول آية الحج التي ذكرناها في أول الرسالة ملخصا من الروايات التي أوردناها :


" اعلموا أنار الله أفئدتكم بنور هداه ويسر لكم مقصد التوحيد ومغزاه أن الهدى هدى الله فسبحان من تفضل به على من يشاء ويصرفه عمن يشاء وقد بينا معنى هذه الآية في " فضل تنبيه الغبي على مقدار النبي " بما نرجوبه عند الله الجزاء الأوفى في مقام الزلفى ونحن الآن نجلو بتلك الفصول الغماء ونرقيكم بها عن حضيض الدهماء إلى بقاع العلماء في عشر مقامات
المقام الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرسل الله إليه الملك بوحيه فإنه يخلق له العلم به حتى يتحقيق أنه رسول من عنده ولولا ذلك لما صحت الرسالة ولا تبينت النبوة فإذا خلق الله له العلم به تميز عنده من غيره وثبت اليقين واستقام سبيل الدين ولو كان النبي إذا شافهه الملك بالوحي لا يدري أملك هو أم شيطان أم أنسان أم صورة مخالفة لهذه الأجناس ألقت عليه كلاما وبلغت إليه قولا لم يصح أن يقول : إنه من عند الله ولا ثبت عندنا أنه أمر الله فهذه سبيل متيقنة وحالة متحققة لا بد منها ولا خلاف في المنقول ولا في المعقول فيها ولوجاز للشيطان أن يتمثل فيها أويتشبه بها ما أمناه على آية ولا عرفنا منه باطلا من حقيقة فارتفع بهذا الفصل اللبس وصح اليقين في النفس

المقام الثاني : أن الله قد عصم رسوله من الكفر وأمنه من الشرك واستقر ذلك من دين المسلمين بإجماعهم فيه وإطباقهم عليه فمن ادعى أنه يجوز عليه أن يكفر بالله أو يشك فيه طرفة عين فقد خلع رقبة الإسلام من عنقه بل لا تجوز عليه المعاصي في الأفعال فضلا عن أن ينسب إلى الكفر في الاعتقاد بل هو المنزه عن ذلك فعلا واعتقادا وقد مهدنا ذلك في كتب الأصول بأوضح دليل
المقام الثالث : أن الله قد عرف رسوله بنفسه وبصره بأدلته وأراه ملكوت سماواته وأرضه وعرفه سنن من كان قبله من إخوته فلم يكن يخفى عليه من أمر الله ما نعرفه اليوم ونحن حثالة أمته ومن خطر له ذلك فهو ممن يمشي مكبا على وجهه غير عارف بنبيه ولا بربه
المقام الرابع : تأملوا فتح الله أغلاق النظر عنكم إلى قول الرواة الذين هم بجهلهم أعداء على الإسلام ممن صرح بعداوته أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جلس مع قريش تمنى أن لا ينزل عليه من الله وحي ( 1 ) فكيف يجوز لمن معه أدنى مسكة أن يخطر بباله أن النبي صلى الله عليه وسلم آثر وصل قومه على وصل ربه وأراد أن لا يقطع أنسه بهم بما ينزل عليه من عند ربه من الوحي الذي كان حياة جسده
وقلبه وأنس وحشته وغاية أمنيته وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس فإذا جاءه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة فيؤثر على هذا مجالسته للأعداء ؟
المقام الخامس : أن قول الشيطان : " تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى " للنبي صلى الله عليه وسلم قبله منه فالتبس عليه الشيطان بالملك واختلط عليه التوحيد بالكفر حتى لم يفرق بينهما وأنا من أدنى المؤمنين منزلة وأقلهم معرفة بما وفقني الله له وآتاني من علمه لا يخفى علي وعليكم أن هذا كفر لا يجوز وروده من عند الله ولو قاله أحد لكم لتبادر الكل إليه قبل التفكير بالإنكار والردع والتثريب والتشنيع فضلا عن أن يجهل النبي صلى الله عليه وسلم حال القول ويخفى عليه قوله ولا يتفطن لصفة الأصنام بأنها " الغرانيق العلى وأن شفاعتهن ترتجى " وقد علم علما ضروريا أنها جمادات لا تسمع ولا تبصر ولا تنطق ولا تضر ولا تنفع ولا تنصر ولا تشفع بهذا كله كان يأتيه جبريل الصباح والمساء وعليه انبنى التوحيد ولا يجوز نسخه من جهة المنقول فكيف يخفى هذا على الرسول ؟ ثم لم يكف هذا حتى قالوا : إن جبريل عليه السلام لما عاد إليه بعد ذلك ليعارضه فيما ألقي إليه من الوحي كررها عليه جاهلا بها - تعالى الله عن ذلك - فحينئذ أنكرها عليه جبريل وقال له : " ما جئتك بهذا " فحزن النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه : " وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا

إليك لتفتري علينا غيره " [ الإسراء : 73 ] فيالله والمتعلمين والعالمين من شيخ فاسد موسوس هامد لا يعلم أن هذه الآية نافية لما زعموا مبطلة لما رووا وتقولوا . وهو :
المقام السادس : وذلك أن قول ابن العربي : " كاد يكون كذا " معناه قارب ولم يكن فأخبر الله في هذه الآية أنهم قاربوا أن يفتنوه عن الذي أوحي إليه ولم تكن فتنة ثم قال : " لتفترى علينا غيره " [ الإسراء : 73 ] وهو :
المقام السابع : ولم يفتر ولو فتنوك وافتريت لاتخذوك خليلا فلم تفتتن ولا افتريت ولا اتخذوك خليلا " ولولا أن ثبتناك " [ الإسراء : 74 ] وهو :
المقام الثامن : " لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا " [ الإسراء : 74 ] فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه ثبته وقرر التوحيد والمعرفة في قلبه وضرب عليه سرادق العصمة وآواه في كنف الحرمة ولو وكله إلى نفسه ورفع عنه ظل عصمته لحظة لألممت بما راموه ولكنا أمرنا عليك المحافظة وأشرقنا بنوره الهداية فؤادك فاستبصر وأزاح عنك الباطل ودحر فهذه الآية نص في عصمته من كل ما نسب إليه فكيف يتأولها أحد عدوا ( 1 ) عما نسب إليه من الباطل إليه ؟
المقام التاسع : قوله : " فما زال مغموما مهموما حتى نزلت عليه : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ) [ الحج : 52 ] [ انظر الرواية 3 ، 4 ، 6 ] فأما غمه وحزنه فبأن تمكن الشيطان مما تمكن مما يأتي بيانه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعز عليه أن ينال الشيطان شيئا وإن قل تأثيره
المقام العاشر : إن هذه الآية نص في غرضنا دليل على صحة مذهبنا أصل في براءة النبي صلى الله عليه وسلم مما نسب إليه أنه قاله عندنا وذلك أنه قال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) [ الحج : 52 ] [ الأصل ( تلاوته ) ] فأخبر الله تعالى أن من سنته في رسله وسيرته في أنبيائه أنهم إذا قالوا عن الله قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه كما يفعل سائر المعاصي كما تقول : ألقيت في الدار كذا وألقيت في العكم [ بكسر العين : العدل ] كذا وألقيت في الكيس كذا فهذا نص في أن الشيطان زاد في الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم لا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كما إذا قرأ تلا قرآنا مقطعا وسكت في مقاطع الآي سكوتا محصلا وكذلك كان حديثه مترسلا فيه
متأنيا فتبع الشيطان تلك السكتات التي بين قوله : ( ومناة الثالثة الأخرى ) [ النجم : 20 ] وبين قوله تعالى : ( ألكم الذكر وله الأنثى ) [ النجم : 21 ] فقال يحاكي صوت النبي صلى الله عليه وسلم : " وإنهن الغرانقة العلى وإن شفاعتهن لترتجى " فأما المشركون والذين في قلوبهم مرض لقلة البصيرة وفساد السريرة فتلوها عن النبي صلى الله عليه وسلم ونسبوها بجهلهم إليه حتى سجدوا معه اعتقادا أنه معهم وعلم الذين أوتوا العلم والإيمان أن القرآن حق من عند الله فيؤمنون به ويرفضون غيره وتجيب قلوبهم إلى الحق وتنفر عن الباطل وكل ذلك إبتلاء من الله ومحنة فأين هذا من قولهم ؟ وليس في القرآن إلا غاية البيان بصيانة النبي صلى الله عليه وسلم في الإسرار والإعلان عن الشرك والكفران وقد أودعنا إليكم توصية أن تجعلوا القرآن إمامكم وحروفه أمامكم فلا تحملوا عليها ما ليس فيها ولا تربطوا بها ما ليس منها وما هدي لهذا إلا الطبري بجلالة قدره وصفاء فكره وسعة باعه في العلم وشدة ساعده وذراعه في النظر وكأنه أشار إلى هذا الغرض وصوب على هذا المرمى فقرطس بعد ما ذكر في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها ولوشاء ربك لما رواها أحد ولا سطرها ولكنه فعال لما يريد عصمنا الله وإياكم بالتوفيق والتسديد
وجعلنا من أهل التوحيد بفضله ورحمته "
2 - كلام القاضي عياض في ذلك :
وقال القاضي عياض :
فاعلم أكرمك الله : أن لنا في الكلام على مشكل الحديث مأخذين :
أحدهما في توهين أصله والثاني على تسليمه
أما المأخذ الأول فيكفيك أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند متصل سليم وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال : لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقله واضطراب رواياته وانقطاع إسناده واختلاف كلماته . فقائل يقول : إنه في الصلاة وآخر يقول : قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة وآخر يقول : قالها وقد أصابته سنة وآخر يقول : بل حدث نفسه فسها وآخر يقول : إن الشيطان قالها على لسانه وإن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرضها على جبريل قال : ما هكذا أقرأتك ؟ وآخر يقول : بل أعلمهم الشيطان أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال : والله ما هكذا أنزلت . إلى غير ذلك من اختلاف الرواة ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين

والتابعين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب - الشك في الحديث - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة وذكر القصة . وقال أبوبكر البزار :
هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا ولم يسنده عن شبعة إلا أمية بن خالد وغيره يرسله عن سعيد بن جبير وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "
فقد بين لك أبوبكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا وفيه من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه - كما ذكرنا - الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه . وأما حديث الكلبي فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه كما أشار إليه البزار والذي منه في " الصحيح " " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : ( النجم ) وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس " هذا توهينه من طريق النقل
فأما من جهة المعنى : فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر أو أن يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي صلى الله عليه وسلم أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه عليه جبريل

عليه السلام وذلك كله ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم أو يقول ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من قبل نفسه عمدا وذلك كفر أو سهو وهو معصوم من ذلك كله وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته صلى الله عليه وسلم من جريان الكفر على قلبه أولسانه لا عمدا ولا سهوا وأن يشتبه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان أويكون للشيطان عليه سبيل أويتقول على الله لا عمدا ولا سهوا ما لم ينزل عليه وقد قال تعالى : ( ولوتقول علينا بعض الأقاويل ) الآية [ الحاقة : 44 ] وقال ( إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ) [ الإسراء : 75 ]
ووجه ثان : وهواستحالة هذه القصة نظرا وعرفا وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الإلتئام متناقض الأقسام ممتزج المدح والذم متخاذل التأليف والنظم ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه ؟
ووجه ثالث : أنه قد علم من عادة المنافقين ومعاندة المشركين وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين نفورهم لأول وهلة وتخليط العدوعلى النبي صلى الله عليه وسلم لأقل فتنة وتعييرهم المسلمين والشماتة بهم الفنية بعد الفنية وارتداد من في قلبه

مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء حتى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردة . كذلك ما روي في قصة القضية ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت فما روي عن معاند فيها كلمة ولا عن مسلم بسببها بنت شفة فدل على بطلانها واجتثاث أصلها . ولا شك في إدخال بعض شياطين الإنس والجن هذا الحديث على مغفلي المحدثين يلبس به على ضعفاء المسلمين
ووجه رابع : ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت : ( وإن كادوا ليفتنونك . . . ) الآيتين [ الإسراء : 73 - 74 ] . وهاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا ليفتنونه حتى يفتري وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم فمضمون هذا ومفهومه أن الله تعالى قد عصمه من أن يفتري وثبته حتى لم يركن إليهم قليلا فكيف كثيرا ؟ وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون الافتراء بمدح آلهتهم وأنه قال صلى الله عليه وسلم : " أفتريت على الله وقلت ما لم يقل " وهذا ضد مفهوم الآية
وهي تضعف الحديث لو صح فكيف ولا صحة له ؟ وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى : ( ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء ) [ النساء : 113 ] . وقد روي عن ابن عباس : " كل ما في القرآن " كاد " فهو ما لا يكون "
قال القاضي : ولقد طالبته قريش وثقيف إذا مر بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها ووعوده الإيمان به إن فعل فما فعل ولا كاد أن يضل وقد ذكرت في معنى الآية تفاسير أخر ما ذكرناه من نص الله على عصمة رسوله برد سفاسفها فلم يبق في الآية إلا أن الله تعالى امتن على رسوله بعصمته وتثبيته بما كاده به الكفار وراموا من فتنته ومرادنا في ذلك تنزيهه وعصمته صلى الله عليه وسلم وهو مفهوم الآية
وأما المأخذ الثاني : فهو مبني على تسليم الحديث لوصح أعاذنا الله من صحته ولكن مع كل حال فقد أجاب عن ذلك أئمة بأجوبة منها الغث والسمين "
قلت : فذكر هذه الأجوبة وضعفها جلها أو كلها إلا الأخير منها فإنه استظهره ورجحه وهو الذي أجاب به ابن العربي فيما تقدم من كلامه ( ص 53 ) :

إن الشيطان هوالذي ألقى ذلك في سكتة النبي صلى الله عليه وسلم بين الآيتين محاكيا نغمة النبي صلى الله عليه وسلم وأشاع ذلك المشركون عنه صلى الله عليه وسلم ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظه السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله وتحققهم من حال النبي صلى الله عليه وسلم في ذم الأوثان وعيبها على ما عرف منه وقد حكى موسى بن عقبة في مغازيه نحوهذا وقال : " إن المسلمين لم يسمعوها وإنما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين وقلوبهم " ( 1 ) ويكون ما روى من حزن النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الإشاعة والشبهة وسبب هذه الفتنه
- رد الحافظ على ابن العربي والقاضي عياض وتعقبنا عليه :
وأما قول الحافظ في " الفتح " بعد أن نقل خلاصة عن الوجوه التي تقدمت عن الإمامين المذكورين في إعلال القصة وتوهينها :
وجميع ذلك لا يتمشى على قواعد فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض

فأقول : إن هذا الجواب ليس بالقوي على إطلاقه لما بينا فيما تقدم أن تقوية الحديث بكثرة الطرق ليس قاعدة مضطردة نعم من ذهب إلى الاحتجاج بالمرسل مطلقا أو عند اعتضاده ففي الجواب رد قوي عليه كالقاضي عياض وغيره ممن يقبل مرسل الثقة ( 1 ) أما نحن فهو غير وارد علينا لما أوردنا من الاحتمالات التي تمنع الاحتجاج بالحديث المرسل ولو من غير وجه ولعل هذا مذهب الحافظ ابن كثير حيث قال عند تفسيره للآية السابقة ( 3 / 229 ) :
قد ذكر كثير من المفسرين ها هنا قصة الغرانيق وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا ولكنها من طرق كلها مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح
فإن ابن كثير يعلم أن بعض هذه المراسيل التي أشار إليها أسانيدها صحيحة إلى مرسلها فلوكان بعضها يعضد بعضا عنده وتقوى القصة بذلك لما ضعفها بحجة أنه لم يرها مسندة من وجه صحيح وهذا بين لا يخفى
ثم إن من الغريب أن الحافظ ابن حجر مع ذهابه إلى تقوية

القصة يرى أن فيها ما يستنكر وأنه يجب تأويله فيقول بعد كلامه الذي نقلته آنفا :
وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر وهو قوله :
ألقى الشيطان على لسانه : " تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى " فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره لأنه يستحيل عليه صلى الله عليه وسلم أن يزيد في القرآن عمدا منه وكذا سهوا إذا كان مغايرا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته "
ثم ذكر الحافظ مسالك العلماء في تأويل ذلك ثم اعتمد على الوجه الأخير منها . وهو الذي نقلناه عن القاضي عياض قبيل هذا الفصل وقلنا إنه رجحه ثم قال الحافظ :
وهذا أحسن الوجوه ويؤيده ما تقد في صدر الكلام عن ابن عباس من تفسير تمنى ب ( تلا )
فينتج من ذلك أن الحافظ رحمه الله قد سلم أن الشيطان لم يتكلم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بتلك الجملة وإنما ألقاها الشيطان بلسانه في ستكة النبي صلى الله عليه وسلم فهذا لا يتفق البته مع القول بصحة القصة أوأن لها أصلا فإن كان يريد بذلك أن لها أصلا في الجملة أعني بدون هذه الزيادة فهذا ليس هوموضع خلاف بينه وبين العلماء الذين رد عليهم قولهم ببطلان القصة وإنما الخلاف في هذه الجملة التي تزعم الروايات أن الشيطان ألقاها

على لسانه صلى الله عليه وسلم فإذ قد صرح الحافظ بإنكارها وتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عنها فنستطيع أن نقول لحضرة السائل :
إن الحافظ متفق مع ابن كثير - وغيره ممن سبقه ولحقه - على إنكار القصة على ما وردت في الروايات حتى التي صححها الحافظ وأما ما بقي منها مما لا يتنافى مع عصمة النبي صلى الله عليه وسلم فلا خلاف في إمكان وقوعها بل الظاهر أن هذا القدر هو الذي وقع بدليل ظاهر آية الحج حسبما تقدم تفسيرها في أوائل الرسالة ( 1 )
نعم يرد على الحافظ هنا اعتراضان :
الأول : تليينه العبارة في إنكار تلك الزيادة لأنه إنما أنكرها بطريق تأويلها وحقه أن ينكرها من أصلها لأن التأويل الذي زعمه ليست تفيده تلك الزيادة أصلا لأن الحافظ يقول :
إن الشيطان هوالذي ألقى بلسانه في سكتة النبي صلى الله عليه وسلم
وهي تقول : " إن الشيطان ألقى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم " فأين هذا من ذلك ؟
الثاني : تشنيعه القول على ابن العربي والقاضي عياض لإنكارهما القصة ومع أنه يعلم أنهما أنكراها لما فيها من البواطيل التي لا تتفق مع القول بعصمة الرسول الكريم منها هذه الزيادة التي وافقهما الحافظ على استنكارها مع فارق شكلي وهو أنهما كانا صريحين في إنكارها من أساسها بينما الحافظ إنما أنكرها بطريق تأويلها - زعم
ومن هنا يتبين لك ضعف ما قاله في رده على القاضي في " تخريج الكشاف "
وأما طعنه فيه باختلاف الألفاظ فلا تأثير للروايات الواهية في الرواية القوية فيعتمد من القصة على الرواية الصحيحة أي : يعتمد على الرواية المتابعة وليس فيها وفيما تابعها اضطراب والإضطراب في غيرها وأما طعنه من جهة المعنى فله أسوة كثيرة من الأحاديث الصحاح التي لا يؤخذ بظاهرها بل يرد بالتأويل المعتمد إلى ما يليق بقواعد الدين
قلت : إن هذا الرد ضعيف لأن الرواية الصحيحة التي أشار إليها هي رواية ابن جبير المتقدمة وفيها كما في غيرها من الروايات المتابعة الأمر المستنكر باعترافه بل في بعض الروايات عن سعيد ما هو أنكر من ذلك وهو قوله :
ثم جاءه جبريل بعد ذلك فقال : عرض علي ما جئتك به فلما بلغ
تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى " قال له
جبريل : لم آتك بهذا وهذا من الشيطان " وقد جاء هذا في غير رواية سعيد كما تقدم ولازمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد انطلى عليه وحي الشيطان واختلط عنده بوحي الرحمن حتى لم يميز بينهما وبقي على هذه الحالة ما بقي إلى أن جاءه جبريل في المساء سبحانك هذا بهتان عظيم وافتراء جسيم
فاتضح أن ليس هناك رواية معتمدة صحيحة بالمعنى العلمي الصحيح وأن الرواية التي صححها الحافظ قد أنكر بعضها هو نفسه فأين الإعتماد
وأما قوله : " إن حديث الغرانيق له أسوة بكثير من الأحاديث الصحيحة " فصحيح لوصح إسناده وأمكن تأويله وكلا الأمرين لا نسلم به . أما الأول فلما علمت من إرساله من جميع الوجوه حاشا ما اشتد ضعفه من الموصول وإنها على كثرتها لا تعضده . وأما الأمر الآخر فلأن التأويل الذي ذهب إليه الحافظ رحمه الله هو في الحقيقة ليس تأويلا بل هو تعطيل لحقيقة الجملة المستنكرة وهو أشبه ما يكون بتأويلات بل تعطيلات القرامطة والرافضة للآيات القرآنية والأحاديث المصطفوية . تأييدا لمذاهبهم الهدامة وآرائهم الباطلة خلافا للحافظ رحمه الله فإنه إنما فعل ذلك دفاعا عن مقام الحضرة النبوية والعصمة المحمدية فهو مشكور على ذلك ومأجور وإن كان مخطئا عندنا في ذلك التأويل مع تصحيح القصة
3 - كلام الشوكاني :
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى :
ولم يصح شيء من هذا ولا يثبت بوجه من الوجوه ومع عدم صحته بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه
ثم ذكر بعض الآيات الدالة على البطلان ثم قال :
وقال إمام الأئمة ابن خزيمة إن هذه القصة من وضع الزنادقة

4 - كلام الآلوسي في إبطال القصة :
وعلى كل حال فإن الحافظ ابن حجر رحمه الله متفق مع الذين أنكروا القصة على تنزيهه صلى الله عليه وسلم من أن يكون للشيطان تكلم على لسانه عليه الصلاة والسلام فالخلاف بينه وبينهم يكاد يكون شكليا أولفظيا وإنما الخلاف الحقيقي بينهم وبين بعض المتأخرين ( 1 ) حيث ذهب إلى تصحيح القصة مع التسليم بها دون
استنكار أي شيء منها أو تأويل بل جوز على النبي صلى الله عليه وسلم جميع ما فيها زاعما أن ذلك لا يتنافى مع عصمته بل هو تأديب له في كلام له طويل . يغني وضوح بطلانه عن إيراده وتسويد الصفحات لرده وقد نقله الآلوسي برمته ثم رده عليه في كلام متين ولو لا أن هذه العجالة لم توضع لهذه الغاية لسقته بتمامه فأختصر من ذلك على قوله في خاتمة بحثه :
لكن إثبات صحة الخبر أشد من خرط القتاد فإن الطاعنين فيه من حيث النقل علماء أجلاء عارفون بالغث والسمين من الأخبار وقد بذلوا الوسع في تحقيق الحق فيه فلم يرووه إلا مردودا وهم أكثر ممن قال بقوله ومنهم من هو أعلم منه ويغلب على الظن أنهم وقفوا على رواته في سائر الطرق فرأوهم مجروحين وفات ذلك القائل بالقبول ( 1 ) . ولعمري إن القول بأن هذا الخبر مما ألقاه الشيطان على بعض ألسنة الرواة ثم وفق الله تعالى جمعا من خاصته لإبطاله أهون من القول بأن حديث الغرانيق مما ألقاه الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نسخه
وثمود فما أبقى ( 51 ) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هوأظلم وأطغى ( 52 ) والمؤتفكة أهوى ( 53 ) فغشاها ما غشا ( 54 ) " إلى آخر الآيات [ النجم ] . فاستشعروا نزول مثل ذلك بهم ولعلهم لم يسمعوا قب ذلك مثلها منه صلى الله عليه وسلم وهوقائم بين يدي ربه سبحانه في مقام خطير وجمع كثير وقد ظنوا من ترتيب الأمر بالسجود على ما تقدم أن سجودهم ولو لم يكن عن إيمان كاف في دفع ما توهموه ولا تستبعد خوفهم من سماع مثل ذلك منه صلى الله عليه وسلم فقد نزلت سورة ( حم السجده ) بعد ذلك كما جاء مصرحا به في حديث عن ابن عباس . ذكره السيوطي في أول " الإتقان " فلما سمع عتبة بن ربيعة قوله تعالى فيها : " فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ( 13 ) " [ فصلت ] أمسك على فم رسول الله صلى الله عليه وسلم وناشده الرحم واعتذر لقومه حين ظنوا به أنه صبأ وقال : " كيف وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب ؟ فخفت أن ينزل بكم عذاب " وقد أخرج ذلك البيهقي في " الدلائل " وابن عساكر في حديث طويل عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه
ويمكن أن يقال على بعد : إن سجودهم كان لاستشعار مدح آلهتهم ولايلزم منه ثبوت ذلك الخبر لجواز أن يكون ذلك الاستشعار من قوله تعالى : " أفرأيتم اللات والعزى ( 19 ) ومناة
الثالثة الأخرى ( 20 ) " [ النجم ] بناء على أن المفعول محذوف وقدروه حسبما يشتهون أوعلى أن المفعول : { ألكم الذكر وله الأنثى } ( 21 ) " [ النجم ] . وتوهموا أن مصب الإنكار فيه كون المذكورات إناثا والحب لشيء يعمي ويصم وليس هذا بأبعد من حملهم " تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى " على المدح حتى سجدوا لذلك آخر السورة مع وقوعه بين ذمين المانع من حمله على المدح في البين كما لا يخفى على من سلمت عين قلبه من الغين "
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك

هوامش
( 1 ) أخرجه أحمد ( رقم 3647 ، 3778 ، 3801 ، 4393 ، ] طبعة المكتب الإسلامي ] ومسلم ( 8 / 139 ) عن ابن مسعود
( 2 ) جاء ذلك في " صحيح البخاري " ( 3 / 62 ) بشرح ابن حجر ومسلم ( 2 / 72 ) وغيرهما
( 3 ) قلت : وأخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " ( ورقة 162 وجه 2 ) من نسخة خطية في المكتبة الظاهرية تحت رقم ( 283 حديث ) ( ا ) قال : حدثنا حسين بن إسحاق التستري وعبدان بن أحمد قالا حدثنا يوسف بن حماد المعنى به وفيه : " القى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى شفاعتهم ترتجى " . ورواه الضياء المقدسي في " المختارة " ( ق 120 / 1 / 2 ) من طريق الطبراني وابن مرداويه من طرق عن يوسف به
(4 ) ثم رأيت السيوطي قد أورده في كتابه " أسباب النزول " على الشك في رفعه فأصاب فتبين أن لا مسؤولية فيه على غيره

( 6 ) وقال النحاس : " هذا حديث منقطع وفيه هذا الأمر العظيم " ذكره القرطبي ( 12 / 81 )

( 7 ) هذا سياق " الدر " وهومختصر عن سياق " ابن كثير " ومما فيه : فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان في مسامع المشركين
( 8 ) وتمام الآية ( وإذا لاتخذوك خليلا ( 73 ) ولولا ان ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئا قليلا ( 74 ) إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا ( 75 )
( 9 ) وتمام الآية ( ومناة الثالثة الأخرى ( 20 ) ألكم الذكر وله الأنثى ( 21 ) تلك إذا قسمة ضيزى ( 22 ) إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وأبائكم ما أنزل الله بها من سلطان )

( 10 ) ثم وقفت عليه في " معجمه الكبير " ج 3 ورقة 2 وجه 2 من النسخة الخطية الظاهرية تحت رقم 283 وسنده هكذا : حدثنا محمد بن عمر أبن خالد الحراني : نا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة به
( ا ) ما بين الحاصرتين زيادة من " المعجم الكبير " ولم تكن في طبعتنا السابقة وانظر المطبوعة 9 / 8316أ* [
( 11 ) نقلته من " ميزان الإعتدال في نقد الرجال " للإمام الذهبي

( 12 ) ثم تبين لي أنه ابن سليمان الباهلي وروى عن الضحاك بن مزاحم وعنه جمع منهم أبومعاذ الفضل بن خالد النحوي . قال في " التقريب " : لا بأس به . ومما ذكرنا نتبين أيضا أن أبا معاذ الراوي عن عبيد ليس هوسليمان بن أرقم وإنما هوالفضل بن خالد النحوي أورده ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ( 3 / 2 / 61 ) ولم يذكر فيه جرحا أوتعديلا

( 13 ) كذا في الأصل وهوجائز على الإستفهام الإنكاري وفي القرطبي نقلا عن الواحدي " ما جئتك "
( 14 ) [ انظر طبعة دار صادر 1 / 205 ]
( 15 ) قلت : ومما يدل على بطلان نسبة هذه القصة إلى ابن عباس لا سيما من رواية أيوب عن عكرمة عنه أن الطبراني أخرجها مختصرا في " المعجم الكبير " ( ورقة 138 وجه 1 ) [ المطبوعة 11 / 11866 ] من طريقين عن عبد الوارث : ثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد وهو بمكة ب ( النجم ) وسجد معه المسلمون والمشركون وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري فهذا القدر من القصة هوالصحيح عن ابن عباس وغيره من الصحابة مما سيأتي ذكره
( 16 ) قلت : هذا الحديث عندنا صحيح لغيره فقد روي عن سبعة نفر من الصحابة من طرق مختلفة قوي المنذري وابن دقيق العيد وابن التركماني والزيلعي أحدها ولذلك أوردناه في كتابنا " صحيح سنن أبي داود " وتكلمنا عليه هناك ( رقم 123 ) ثم نشرناه في " سلسلة الأحاديث الصحيحة " ( رقم 36 ) وذكرنا فيه طرقه وبعضها صحيح لذاته فراجعه إن شئت
( 17 ) قلت : وهذا ليس على إطلاقه كما يأتي نقله عن " شرح النخبة " لابن حجر ( ص 23 )
( 18 ) هوالإمام ابن خزمة صاحب " الصحيح " المعروف به وقد تبع الفخر في عزوهذا الكلام لابن خزيمة المحقق الشوكاني في " فتح القدير " ( 3 / 447 ) . وأما ابن حيان فعزاه في تفسيره " البحر " لمحمد ابن اسحاق جامع " السيرة النبوية " . وتبعه الآلوسي في تفسيره ( 17 / 161 ) . والأرجح عندي الأول لأن الحافظ ابن حجر ذكر في " الفتح " ( 8 / 354 ) تبعا لابن كثير أن ابن اسحاق روى هذه القصة في " السيرة " مطولا فهذا يبعد نسبة ذلك القول إليه ولوكان له لنبه عليه الحافظ عقب ذلك والله أعلم
( 19 ) انظر السبب السادس من أسباب بطلان القصة متنا ص 36

( 20 ) كذا في الأصل

( 21 ) قلت : ونحوه في رواية عروة ( رقم 6 ص 24 - 25 ) وإن كان في آخرها ما يخالف هذا وقد نقلت رواية موسى بن عقبه عن ابن كثير فيما تقدم ( ص 19 )
( 22 ) تخريج الكشاف ( 4 / 112 )
( 23 ) وبعد كتابة ما تقدم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية يميل إلى تثبيت القصة بالقدر المذكور وأن قوله : " تلك الغرانيق العلى . . . " لم يلفظ به الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما ألقاه الشيطان في أسماعهم . راجع كلامه في الفتاوى ( 2 / 282 )

( 24 ) هوالشيخ إبراهيم الكوراني كما صرح بذلك الآلوسي وهوإبراهيم ابن حسن بن شهاب الدين الكردي ولد ب ( شهرزور ) في شوال ( 1025 ه ) وقدم المدينة ولازم القشاشي واجتمع في مصر عند مروره بها مع الشهاب الخفاجي توفي بالمدينة في 28 جمادى الأولى سنة ( 1101 ه ) كذا في " تاج العروس " للمناوي
( 25 ) قلت : هذا فيه بعد لا سيما بالنسبة للحافظ ابن حجر فلوكان هناك جرح فلا يخفى عليه والحق أن الحافظ جرى على بعض القواعد الحديثية فهوأعذر ممن خالفها ولم يجب عنها وقد أجبنا نحن فيما سبق فالأقرب أن يقال : إنهم وقفوا على علة وهي الإرسال حسبما فصلنا في سائر الطرق ولكن لم يرها علة فادحة القائل بالقبول
avatar
مدير الموقع
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات : 428
مشاركات : 1
تاريخ التسجيل : 27/12/2009

http://elidy.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق

مُساهمة من طرف مدير الموقع في الإثنين مارس 15, 2010 3:44 pm

تشبث بعض المستشرقين وأبواقهم المقلدون لهم بما ذكره بعض كتاب السيرة النبوية، وجماعة من المفسرين، وطوائف من المحدثين فى كتبهم، بأقصوصة "الغرانيق" وألصقوها بهجرة الحبشة، وجعلوها سبباً لعودة المهاجرين الأولين إلى مكة0
وهى أقصوصة مختلقة، باطلة فى أصلها وفصلها، وأكذوبة خبيثة فى جذورها وأغصانها، واتخذ أعداء الإسلام منها سلاحاً للطعن فى عصمة رسول الله صلي الله عليه وسلم، من تسلط الشيطان عليه، وعصمته فى بلاغه لوحى الله تعالى


<BLOCKQUOTE>
ورغم أن علماء المسلمين قديماً وحديثاً بينوا بأوضح ما يكون البيان زيفها وبطلانها؛

إلا أنك تجد من ينتصر لهذه الفرية، ويطبل لها ويزمر من المستشرقين والمبشرين([1]) وكذا

أبواقهم المقلدون لهم الذين زادوا على أعداء الإسلام الطعن فى رواة السنة الشريفة والكذب

عليهم بأنهم يصححون هذه الأكذوبة
يقول نيازى عز الدين ([2]) : "بعد نزول الآية : } أفرأيتم اللات والعزى {([3]) ألقى

الشيطان نتيجة لتمنى الرسول صلي الله عليه وسلم، ألا ينزل الله تعالى ما يغضب قومه من

قريش، لأنه كان يطمع بإسلام بعض وجهائهم، فألقى الشيطان فى أمنية الرسول وفى ذهنه

بعض الكلمات، فاعتقد أنها من الوحى، فطلب من كتبه الوحى تسجيله وكتابته فى نص القرآن

الكريم([4]) وكانت كما يلى : "أفرأيتم اللات والعزى، تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن

لترتجى" فسر القرشيون من المشركين بذلك، وسجدوا مع الرسول فى الصلاة، ولكن بعد فترة

نزل جبريل، وعاتب الرسول، وصحح الآية، ناسخاً ما ألقى الشيطان"([5])0
ويكرر فى موضع آخر الطعن فى عصمة رسول الله صلي الله عليه وسلم، فى البلاغ،

وفى عصمته من الشرك، ومن تسلط الشيطان عليه، بتفسير آيات النهى عن الشرك، والنهى

عن اتخاذ إله آخر مع الله عز وجل، بأنها خطاب من الله عز وجل لرسوله مرة ثانية عن قصة

الغرانيق، وكأن حال لسانه يقول : قصة الغرانيق صحيحة، وبصحتها أشرك رسول الله، واتخذ

إلهاً آخر، وتأمل كلامه بعد أن سبقه بذكر الآيات التالية قوله تعالى : }ولا يصدنك عن آيات الله

بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين{([6]) وقوله سبحانه : }ولا تدع مع

الله إلهاً آخر لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون{([7]) يقول : "فمن

معانى الآيات … يتبين أن الله تعالى يكلم الرسول مرة أخرى عن قصة الغرانيق، وأن

شفاعتهن لترجى، ويوضح له كيف ألقاها الشيطان إلى لسانه، فأدخلها الرسول خطأ فى القرآن،

إلى أن أتى جبريل، ونبهه على الموضوع، فنسخ تلك الآيات وأتى بدلاً عنها بخير منها : }

أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثلاثة الأخرى. ألكم الذكر وله الآنثى{([8]) وبين الله تعالى أسباب

ذلك فى الآية : }وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته

فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم{([9])0
ويحاول بعض الشيعة الطعن فى السنة النبوية وأهلها، وعلى رأسهم الإمام البخارى

وصحيحه بإيهام القارئ أن فرية الغرانيق موجودة فى صحيح البخارى. إذ يقول جعفر مرتضى

العاملى بعد أن ذكر فرية الغرانيق قال : "وأضاف البخارى سجود الإنس والجن إلى مجموع

المسلمين والمشركين…"([10]) ويكذب أحمد حجازى السقا([11]) قائلاً : "فما تقول فى قصة

الغرانيق المروية فى كتب الصحاح"([12]) ولم يبين لنا ما هى كتب الصحاح التى روت تلك

الفرية؟!0
ويجاب عن هذه الفرية، وما اشتملت عليه من افتراءات أخرى بما يلى :
أولاً : إن هذه الأقصوصة المختلقة تنافى ما هو مقطوع به من عصمة رسول الله صلي الله

عليه وسلم، فى عقيدته من الشرك والشك والضلال والغفلة، وعصمته من تسلط الشيطان عليه،

وكذا عصمته من الخطأ والسهو فى أمر التبليغ، وهو ما قام عليه إجماع الأمة، والأدلة القطعية

من الكتاب والسنة، والسيرة العطرة، على ما سبق تفصيله([13])0
ثانياً : قيام الأدلة القطعية من القرآن الكريم على بطلانها، وأقرب دليل يشير إلى فساد هذه

القصة ما يلى :
1- ما ذكره رب العزة فى أول سورة النجم، مؤكداً بالقسم على عصمة نبيه صلي الله عليه

وسلم، فى تبليغ وحيه، وأنه لا يخرج كلامه عن الحق، قال تعالى : }والنجم إلى هوى. ما ضل

صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى{([14]) فكيف ينتظم هذا مع

ذكر فى نفس السورة من نطقيه صلي الله عليه وسلم عن الهوى؟ بل وترديده ما يلقيه إليه

الشيطان، على أنه آيات قرآنية إلهية؟! هذا مع قوله تعالى : }ولو تقول عليه بعض الأقاويل.

لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين{([15]). فها هو

يتقول عليه، ولا يفعل به شيئاً؟ هل يعقل هذا؟!0
وإذا كانت هذه الآيات من سورة الحاقة، قد نزلت بعد سورة النجم، فإن ذلك لا يضر؛

مادامت الآية تعطى قاعدة كلية، ولا تشير إلى قضية خارجية خاصة، والقاعدة الكلية هنا :

عصمته صلي الله عليه وسلم فيما يبلغ عن ربه عز وجل0
2- ما جاء فى نفس السورة بعد الموضع الذى زعموا أنه ذكرت فيه الفرية من ذم أصنام

المشركين "مناة، واللات، والعزى" والإنكار على عابديها، وجعلها أسماء لا مسمى لها، وأن

التمسك بعبادتها أوهام وظنون. قال تعالى : }إن هى إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل

الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى{([16])0
فلو أن القصة صحيحة لما كان هناك تناسب بينها، وبين ما قبلها وما بعدها، ولكان

النظم مفككاً، والكلام متناقضاً. وكيف يطمئن إلى هذا التناقض السامعون، وهم أهل اللسان

والفصاحة، وأصحاب عقول لا يخفى عليها مثل هذا، ولاسيما أعداؤه الذين يلتمسون له

العثرات والزلات0
فلو أن ما روى كان واقعاً لشغب عليه المعادون له، ولارتد الضعفاء من المؤمنين،

ولثارت ثائرة مكة، ولاتخذ منه اليهود بعد الهجرة متكئاً يستندون إليه فى الطعن على النبى

صلي الله عليه وسلم، والتشكيك فى عصمته، ولكن شيئاً من ذلك لم يكن0
3- إن بعض الروايات الواردة فى القصة ذكرت أن فيها نزل قوله تعالى : }وإن كادوا

ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً ولولا أن ثبتناك لقد كدت

تركن إليهم شيئاً قليلاً{([17])0
وهاتان الآيتان، حتى لو لم تكونا سبب النزول، فهما تردان القصة؛ لأن الله ذكر أنهم

كادوا يفتنونه، ولولا أن ثبته لكاد أن يركن إليهم، ومفاداه أن الفتنة لم تقع، وأن الله عصمه

وثبته حتى لم يكن يركن إليهم، فقد انتفى قرب الركون فضلاً عن الركون. فالأسلوب القرآنى

جاء على أبلغ ما يكون فى تنزيه ساحته صلي الله عليه وسلم عن ذلك، وهم يرون فى أخبارهم

الواهية، أنه زاد على الركون، بل افترى بمدح آلهتهم، وهذا ينافى ما تدل عليه الآية، وهو

توهين للخبر لو صح، فكيف ولا صحة له؟([18])0
4- وقال تعالى : }قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين. وأمرت لأن أكون أول

المسلمين. قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم. قل الله أعبد مخلصاً له دينى.

فاعبدوا ما شئتم من دونه{([19]). وتأمل الأسلوب الإنكارى التوبيخى فى قوله }فاعبدوا ما

شئتم{ وهى أشد من مجرد مدح الأصنام0
فكل هذه الآيات وغيرها مما سبق ذكره فى مواضع عصمته صلي الله عليه وسلم([20

]) مما يكذب هذه القصة، ويظهر زيفها ووضعها على رسول الله صلي الله عليه وسلم0
ثالثاً : مخالفة القصة لحقائق تاريخ السيرة العطرة، إذ أن سورة النجم تحمل الحديث عن

المعراج، وكان المعراج بعد السنة العاشرة من البعثة باتفاق، أما قصة الغرانيق هذه فإن

رواياتها تبين أنها كانت فى السنة الخامسة للبعثة، إبان الهجرة الأولى للحبشة، فى رمضان

منها؛ وهذا مما يؤكد بطلان تلك المرويات، ويحقق كذبها ووضعها على رسول الله صلي الله

عليه وسلم. يضاف إلى ذلك أن الرسول صلي الله عليه وسلم قبل إسلام عمر رضى الله عنه،

ما كان يصلى عند الكعبة جهاراً نهاراً آمناً أذى المشركين له، حتى كانوا ربما مدوا أيديهم إليه،

وإنما كان يصلى إذا خلا المسجد منهم، وعمر رضى الله عنه قد أسلم فى السنة السادسة، وهذه

فى الخامسة، وبذلك يبطل هذا القول، وهو صلاته بحضورهم على هذه الهيئة. ومن المعلوم أن

معاداتهم لرسول الله صلي الله عليه وسلم، كانت أعظم من يقروا بهذا القدر من القراءة، دون

أن يقفوا على حقيقة الأمر؛ فكيف أجمعوا على أنه عظم آلهتهم حتى خروا سجداً دون أن

يتحققوا ذلك منه صلي الله عليه وسلم([21])0
رابعاً : ذهب جماهير علماء الأمة من المحدثين، ومن المحققين الذين جمعوا بين المعقول

والمنقول إلى إنكار القصة، والجزم بوضعها واختلاقها([22]) وإليك نماذج من أقوالهم :
1- قال القاضى عياض : "إن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند

سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون، المولعون بكل غريب، المتلقفون من

الصحف كل صحيح وسقيم… ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين التابعين لم يسندها

أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها، ضعيفة واهية، والمرفوع فيه حديث

ابن عباس([23]) وضعفه الأئمة أيضاً. ثم نقل القاضى عن الحافظ البزار قوله : "هذا الحديث

– أى فرية الغرانيق – لا نعلمه يروى عن النبى صلي الله عليه وسلم، بإسناد متصل يجوز

ذكره إلا بهذا الإسناد وهو: "يوسف بن حماد، عن أمية بن خالد، عن شعبة، عن أبى بشر، عن

سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال ابن جبير : فيما أحسبه". وضعفه الإمام البزار بما يلى :
1- تفرد أمية بن خالد بنقل هذا الحديث مسنداً عن شعبة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير

عن ابن عباس، وغير أمية بن خالد يرويه مرسلاً عن سعيد بن جبير عن النبى صلي الله عليه

وسلم، ومن غير ذكر ابن عباس0
2- وقوع الشك فى حديث شعبة، فسعيد بن جبير، وإن كان معتمداً لكن تردد أن النبى صلي

الله عليه وسلم، كان بمكة فى هذه القضية، أو بغيرها0
3- رواية الكلبى لهذا الحديث عن أبى صالح عن ابن عباس، مضعفة أيضاً بأن الكلبى غير

ثقة، وأن أبا صالح لم يسمع من ابن عباس، ففيها انقطاع، والمنقطع من أقسام الضعيف([24])

فلا يحتج به([25])0
قال القاضى عياض : "فقد بين لك أبو بكر البزار رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوزه

ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه، مع وقوع الشك فيه الذى لا يوثق به ولا حقيقة

معه"([26])0
قلت : وفى ذلك رد على قول الإمام السيوطى فى رواية ابن عباس الموصولة، بأن إسنادها

جيد([27]) زد على ذلك ما نقله القاضى عن القاضى بكر بن العلاء المالكى فى بيانه لضعف

القصة من حديث ضعف سندها واضطراب متنها بقوله : "لقد بلى الناس ببعض أهل الأهواء

والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون، مع ضعف نقلته واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده،

واختلاف كلماته : فقائل يقول إنه فى الصلاة، وآخر يقول : قالها فى نادى قومه، حيث أنزلت

عليه السورة؛ وآخر يقول : قالها وقد أصابته سنة، وآخر يقول : بل حدث نفسه فسها، وآخر

يقول : إن الشيطان قالها على لسانه، وأن النبى صلي الله عليه وسلم لما عرضها على جبريل،

قال : ما هكذا أقرأتك؛ وآخر يقول : بل أعلمهم الشيطان أن النبى صلي الله عليه وسلم قرأها؛

فلما بلغ النبى صلي الله عليه وسلم ذلك قال : والله ما هكذا نزلت؛ إلى غير ذلك من اختلاف

الرواة"([28])0
2- وقال الإمام الرازى : "أهل التحقيق قالوا : هذه الرواية باطلة موضوعة، ونقل عن الحافظ

ابن خزيمة، أنه سئل عن هذه القصة فقال : هذا وضع من الزنادقة، وصنف فيه كتاباً، كما

حكى عن الإمام البيهقى قوله : هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم فى أن رواة

هذه القصة مطعون فيهم"([29])0
3- وقال الإمام ابن حزم : "وأما الحديث الذى فيه "وإنهن الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن

لترتجى" فكذب بحت موضوع، لأنه لم يصح قط من طريق النقل، فلا معنى للاشتغال به، إذ

وضع الكذب لا يعجز عنه أحد"([30])0
4- وقال فضيلة الشيخ محمد الصادق عرجون بعد أن فند الروايات التى ذكرها الإمام

السيوطى فى تفسيره، وأجاد فى الرد عليها بما يغنى عن ذكره قال : "ليس فى روايات فرية

الغرانيق، رواية قط متصلة الإسناد على وجه الصحة، ولم يذكر فى جميع الروايات صحابى

قط على وجه موثق، وما ذكر فيه باسم ابن عباس، فكلها ضعيفة واهية خلا رواية سعيد بن

جبير على الشك فى إسنادها إلى الحبر ابن عباس، والشك يوهيها"([31])0

خامساً : القصة لم يخرجها أصحاب الكتب الصحاح :
فرية الغرانيق لم يخرجها أحد من أصحاب الصحاح، ولا أحد من أصحاب الكتب

المعتمدة كالسنن الأربعة، ومسند الإمام أحمد، كما زعم كذباً بعض أعداء السنة المطهرة والسيرة

العطرة([32]) والذى رواه البخارى فى صحيحه عن ابن عباس : "أن النبى صلي الله عليه

وسلم قرأن النجم وهو بمكة، فسجد معه المسلمون والمشركون، والجن، والإنس" وفى رواية

للبخارى أيضاً عن ابن مسعود قال : "أول سورة أنزلت فيها سجدة "والنجم" قال : فسجد رسول

الله صلي الله عليه وسلم، وسجد من خلفه، إلا رجلاً رأيته أخذ كفاً من تراب فسجد عليه،

فرأيته بعد ذلك قتل كافراً، وهو أمية بن خلف"([33])0
فأنت ترى هنا أن البخارى اقتصر على هذا الجزء الصحيح من القصة، وليس فيه

البتة فرية الغرانيق! فأين هذا مما يزعمه بعض الرافضة من إيهام القارئ أن فرية الغرانيق

ذكرها الإمام البخارى فى صحيحه؟!([34])0
سادساً : سؤال بعضهم :
"كيف سجد المشركون عند نهاية السورة لقوله تعالى : }فاسجدوا لله واعبدوا{([35]) مع أنهم

يرفضون السجود لله؟ قال تعالى : }وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما

تأمرنا وزادهم نفوراً{([36])0
فالجواب :
إن سجود أهل الشرك كان لما سمعوه من أسرار البلاغة الفائقة، والفصاحة البالغة،

وعيون الكلم، الجوامع لأنواع من الوعيد والإنكار، والتهديد والإنذار، وقد كان العربى يسمع

القرآن فيخر له ساجداً([37])0
يقول الأستاذ سيد قطب : "سجود المشركين كان لاعتبارين :
الاعتبار الأول : كامن فى ذلك السلطان العجيب لهذا القرآن. ولهذه الإيقاعات المزلزلة فى

سياق هذه السورة… خصوصاً إذا كان القارئ هو سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم، الذى

تلقى هذا القرآن مباشرة من مصدره، وعاشه وعاش به، وأحبه حتى لكان يثقل خطاه إذا سمع،

من يرتله داخل داره، ويقف إلى جانب الباب يسمع له حتى ينتهى0
وفى هذه السورة بالذات كان يعيش لحظات عاشها فى الملأ الأعلى، وعاشها مع الروح

الأمين، وهو يراه على صورته الأولى0
والاعتبار الثانى : أن أولئك المشركين لم تكن قلوبهم ناجية من الرعشة والرجفة، وهم

يستمعون إلى سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم. إنما كان العناد المصطنع هو الذى يحول بينهم

وبين الإذعان0
ومثل هؤلاء إذا استمعوا إلى سورة النجم من رسول الله صلي الله عليه وسلم فأقرب ما

يحتمل أن تصادف قلوبهم لحظة الاستجابة التى لا يملكون أنفسهم إذاءها، وأن يأخذوا بسلطان

هذا القرآن؛ فيسجدوا مع الساجدين بلا غرانيق ولا غيرها من روايات المفترين"([38])0
قلت : فسجودهم كان معجزة لرسول الله صلي الله عليه وسلم، بقهر المشركين،

وإجبارهم على السجود، كما قال عز وجل : }إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم

لها خاضعين{([39]) وكما ألقى سحرة فرعون ساجدين لما رأوا معجزة سيدنا موسى عليه

السلام، تلقف ما يأفكون، ألقى كفار قريش سجداً لمعجزة سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم،

وهى معجزة سيخر لها أهل الكفر إلى يوم الدين أهـ0

تفنيد قصة الغرانيق


([1]) ينظر : الإسلام لألفريد هيوم ص35، 36، وتاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان ص34

0

([2]) كاتب سورى معاصر، هاجر إلى أمريكا، من مؤلفاته : إنذار من السماء، ودين السلطان

– الذى زعم فيه أن السنة المطهرة، وضعها أئمة المسلمين، من الفقهاء والمحدثين، لتثبيت ملك

السلطان، ويصرح بأنه – أى السلطان – معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه، ويصرح بأن

فقهاء المسلمين ومحدثيهم قديماً، هم جنود السلطان وصار على دربهم علماء المسلمين إلى يومنا

هذا0

([3]) الآية 19 النجم0

([4]) قوله : اعتقاد الرسول بأنها من الوحى، فطلب… الخ، هذه زيادة كاذبة منه على رسول

الله فوق كذب القصة0

([5]) إنذار من السماء ص437 0

([6]) الآية 87 القصص0

([7]) الآية 88 القصص، ويراجع : ما سبق فى توجيه هذه الآية وما قبلها ص129 – 138

0

([8]) الآيات 19 – 21 النجم0

([9]) الآية 52 الحج. وينظر : إنذار من السماء ص523 0

([10]) الصحيح من سيرة النبى الأعظم 3/138، وينظر : أبو هريرة لعبد الحسين شرف

الدين ص116، ودفاع عن السنة المحمدية أو الخطوط الطويلة لمحمد بن على الهاشمى ص

12، 41 0

([11]) كاتب مصرى معاصر، حصل على العالمية فى الدعوة من جامعة الأزهر، ورفض

الأزهر تعيينه بالجامعة، من مؤلفاته التى شكك فيها فى مكانة السنة النبوية، كتابيه دفع الشبهات

عن الشيخ الغزالى، وحقيقة السنة النبوية، وغيرهما0

([12]) دفع الشبهات عن الشيخ الغزالى ص30 0

([13]) يراجع : دلائل عصمته صلي الله عليه وسلم فى عقله ص48، والجواب عن شبهاتهم

من القرآن على عدم عصمته صلي الله عليه وسلم ص113، ودلائل عصمته صلي الله عليه

وسلم فى نقل الوحى وتبليغ الرسالة من خلال القرآن والسنة والسيرة ص264 0

([14]) الآيات 1-4 النجم0

([15]) الآيات 44 – 47 الحاقة0

([16]) الآية 23 النجم0

([17]) الآيتان 73، 74 الإسراء، وينظر : جامع البيان لابن جرير 17/131 0

([18]) الشفا 2/127، 128 بتصرف، وينظر : السيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة

للدكتور محمد أبو شهبة 1/371، 372، وحياة محمد للدكتور محمد هيكل ص144 0

([19]) الآيات 11 – 15 الزمر0

([20]) يراجع : ص113 – 181 0

([21]) الفصول الزكية فى سيرة خير البرية للدكتور عبد الموجود عبد اللطيف ص284،

285 0

([22]) القصة أخرجها ابن جرير الطبرى فى تفسيره جامع البيان 17/186، وابن أبى حاتم

فى تفسيره 8/2500 رقم 13998، وابن المنذر، ثلاثتهم من طرق عن سعيد بن جبير مرسلاً،

ووصلها البزار فى مسنده، وكذا الطبرانى، وابن مردويه، والضياء فى المختار ة من طريق

آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقال ابن جبير فيما أحسب، شك فى أن القصة بمكة،

وأخرجه النحاس بسند فيه الواقدى عن ابن عباس، وابن مردويه من طريق الكلبى عن أبى

صالح عن ابن عباس، وابن جرير فى تفسيره 17/186 من طريق العوفى عنه، وعن محمد

بن كعب القرظى، ومحمد بن قيس، وأبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبى

العاليه، وكلها مرسلة، وابن أبى حاتم فى تفسيره 8/2502 رقم 14003، عن السدى، وموسى

بن عقبة فى المغازى عن الزهرى، ومن طريق موسى بن عقبة أخرجه البيهقى فى دلائل

النبوة 2/285، ورواها الطبرانى مرسلة عن عروة بن الزبير، وفى سنده ابن لهيعة، ولا

يحتمل هذا منه، كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 7/72 . وينظر : 6/32 – 34، والمعنى

فى الروايات السابقة كلها للقصة واحد، كما قال الحافظ فى فتح البارى كتاب التفسير، باب

سورة الحج 8/293، وينظر : مناهل الصفا فى تخريج أحاديث الشفا للسيوطى ص221 0

([23]) الشفا 2/125، 126، وقال بقوله الإمام القسطلانى صاحب المواهب اللدنية، وشارحه

الزرقانى 2/15 فى فاتحة كلامهما، ثم ذهبا إلى ما ذهب إليه ابن حجر، وسيأتى بيان كلام ابن

حجر والتعقيب عليه أهـ0

([24]) وإذا كان من العلماء من يحتج بالضعيف إذا كثرت طرقه، وبناء عليه يعتمد حديث

الغرانيق كابن حجر، فإنا سنعرف رأيه، ثم نناقشه فيه بعد قليل0

([25]) نسيم الرياض فى شرح الشفا للخفاجى 4/87، وينظر : الشفا 2/126 0

([26]) الشفا 2/126 0

([27]) مناهل الصفا ص221 0

([28]) الشفا 1/125 0

([29]) التفسير الكبير 12/51 وقال أبو حيان فى تفسيره البحر المحيط 6/382 معقباً على

كلام البيهقى : ولذلك نزهت كتابى عن ذكره فيه أهـ المراد نقله. وقال الشوكانى فى فتح

القدير 3/461 "ولم يصح شئ من هذا،ولا ثبت بوجه من الوجوه". وينظر : تفسير القرآن

العظيم لابن كثير 5/438 0

([30]) الفصل فى الملل والنحل 2/308، 309، 311 0

([31]) محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم 2/69 0

([32]) يراجع : قول أحمد حجازى السقا ص310 0

([33]) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب التفسير، باب فاسجدوا لله واعبدوا 8/480

رقمى 4862، 4863 0

([34]) يراجع : قول : جعفر مرتضى العاملى ص310 0

([35]) الآية 62 النجم0

([36]) الآية 60 الفرقان. وينظر : الصحيح من سيرة النبى لجعفر مرتضى العاملى 3/145

0

([37]) السيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة للدكتور محمد أبو شهبة 1/367 0

([38]) فى ظلال القرآن 6/3420 – 3422 0

([39]) الآية 4 الشعراء0


</BLOCKQUOTE>
avatar
مدير الموقع
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات : 428
مشاركات : 1
تاريخ التسجيل : 27/12/2009

http://elidy.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى